من المؤكد أن التساهل في مكافحة الفساد الحكومي وعدم اتخاذ إجراءات الوقاية منه، هو وصفة قاتلة لا تحتمل دول المنطقة الوقوع فيها، فهل تجدي الطريقة التركية هنا؟
بادرني جندي حدود تركي في أول رحلة خارج بلدي بكلمة “بخشيش” مطالبا بخمسين دولار، مع زمجرة ذكرتني بالقمع والوحشية العثمانية التي سمعت عنها. كان ذلك في العام 1990.
وبالأمس واجهت مسؤولا تركيا بذكرياتي القديمة تلك والتي جعلتني أعاهد نفسي بأن لا أسافر عبر البر ثانية إلى أي بلد في العالم، ولا حقا تجنب السفر كليا بعد تطور صناعة مكافحة الإرهاب المزعومة في التنكيل بالمسافرين وجعل كل شخص تحت رحمة أهواء موظف صغير ومزاجه المريض أحيانا.
فقال لي إن ذلك انتهى تماما بعد معالجة أسبابه وهي الراتب الضئيل وفشل حكومة أوزال وقتها في معالجة الازمات الاقتصادية في تركيا.
وحاليا، حسب زعم ذلك المسؤول التركي لن تتكرر تلك الحادثة بفضل تأمين رواتب لائقة للموظفين الحكوميين.
إذا، الأمر ليس بجديد ويعرفه الجميع وهو أن “الشبع” هو مطلب أساسي لمكافحة الفساد برواتب لائقة، والجوع هو أحد مبررات الفساد والإفلاس الحكومي الذي يستدعي تدبر الأمر كيفما اتفق بالسلب أو بالنهب أو التنكيل بالناس. وكأن بالحكومة تقول لموظفيها “تدبروا أمركم بأنفسكم” فالحكومة عاجزة عن “إطعام أبناءها”.
تتكبد العديد من الدول العربية خسائر فادحة نتيجة لانتشار هذا النوع من الفساد الذي يلطخ سمعة ذلك البلد وينفر المستثمرين والسياح والزوار وحتى المغتربين من تلك الدول.
فهل تستحق التخمة التي تصيب القطط “أو الهوامير” الكبار التضحية بشبع الصغار كي يلتاع الملايين على الحدود العربية؟
ها هو لبنان ينزلق تدريجيا على سلم الفساد مع الأرقام التي وردت أول أمس في برنامج الفساد على قناة تلفزيون الجديد، حين ذكر مشارك في البرنامج أن سجون لبنان شهدت موت قرابة 50 سجين فيما جرى التعتيم على عمليات اغتصاب جماعي لأحد السجناء، فضلا عن تهديد بالتصفية الجسدية للأشخاص الذين يبلغون عن حالات الرشاوى والفساد لدى الشرطة (الدرك) كما هو حال مفتش متقاعد في الأمن العام ظهر في الحلقة الأخيرة من البرنامج ليروي معاناته لدى دائرة حكومية اشتكى إليها فنال تهديدات خطيرة من المسؤولين الحكوميين وقال إن انتشار الدعارة والمخدرات وتورط المسؤولين فيها تولد الفساد في لبنان.
لا بد إذا للحكومات التي تنوي فعلا تجنب السقوط في هاوية الفساد أن تحصن موظفيها من خلال تقديم امتيازات ورواتب كافية تجعل من مغريات الفساد ضعيفة وضارة وتجعلهم يخسرون الكثير في حال السقوط فيه.
فهل يتواصل السكوت رغم أن الكثير على المحك؟ وهل تنفع الوصفة التركية سالفة الذكر في لبنان وغيره من الدول العربية؟
وللعلم لم أدفع لذاك الجندي التركي 50 دولار وقلت له لن أدفع بأكثر من لغة، ورمى محتويات حقائبي على الأرض المبللة بالمطر والأوحال.
وذات مرة هددني على منفذ إحدى الحدود العربية إياها، موظف صغير جدا بأنه لن يدعني أسافر إلى دولة الأمارات فقلت له بثقة مفرطة ” كل الدول العربية هي وطني وأحبها جميعا فأرجوك دعني أبقى”.
ولن أدفع.
سامر باطر – ارابيان بزنس
“كلنا شركاء”




















