ماذا عن سياسة أي من الديمقراطي أوباما أو الجمهوري ماكين حال وصول أي منهما إلى البيت الأبيض ؟ وكيف ستتباين سياساتاهما إزاء الشرق الأوسط، حيث قضايا: الصراع العربي – الإسرائيلي، والعراق، وإيران، وأفغانستان، وباكستان، فائقة الأهمية بالنسبة إلى أية إدارة أمريكية جديدة ؟
ما من شك في أنه يصعب التنبؤ بالكيفية التي ستتطور من خلالها سياسة مرشح ما للرئاسة الأمريكية عندما يصبح في البيت الأبيض. ومع ذلك، يبدو واضحا – حتى الآن – أنّ رئاسة ماكين ستمثل استمرارا للكثير من سياسات الرئيس بوش في المنطقة، فيما سيبدأ أوباما بسلسلة من المبادرات المستندة إلى الديبلوماسية والمفاوضات.
ويبدو أنّ الإدارة الجديدة لن تنخرط لإيجاد حل نهائي للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وإنما ستكون معنية فقط بإدارته تبعا لمصالحها الإقليمية والدولية في هذه المرحلة، في ما يعرف بسياسة " إدارة الأزمات ". ولكن من شبه المؤكد أنّ اهتمام إدارة أوباما سيكون أكبر بكثير من اهتمام ماكين، إذ يبدو أوباما أكثر تفهما لأهمية بناء جسور التفاهم والتواصل بين أمريكا والعالم العربي. وهذا ما دفعه إلى وضع حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني في قائمة أولوياته المبكرة، كما أعلن تأييده لحق الفلسطينيين في إقامة دولة. وعليه، فمن المتوقع في حال انتخابه أن تشارك إدارته بصورة مباشرة في مفاوضات السلام بهدف التوصل لاتفاق, بطريقة مشابهة لما قامت به إدارة الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون.
وفي المقابل، من المتوقع أن تتشابه سياسة المرشح الجمهوري جون ماكين مع سياسة سلفه جورج بوش بشأن القضية الفلسطينية، فهو سيستمر في اتباع سياسة التأييد المطلق لإسرائيل، مفضلا عدم الانخراط في عملية السلام تاركا ذلك للطرفين، وهو ما سيصب في مصلحة إسرائيل بسبب ميزان القوى غير المتكافئ.
إنّ الاختلاف الأكبر بين المرشحين ربما يكمن في مقاربتهما لسورية، إذ يفضل أوباما تشجيع مفاوضات السلام السورية ـ الإسرائيلية، ويعتقد أنّ في الإمكان تشجيع سورية على انتهاج جملة سياسات أكثر اعتدالا. أما ماكين فهو يعارض المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية ويعتبر سورية عدوا دائما.
أما المسألة العراقية فتبدو مشكلة أمريكية تبحث عن حل، وهي تفرض نفسها على كلا المرشحين، بحثا عن أفضل الطرق لإخراج أمريكا من ورطتها في المستنقع العراقي بأقل الخسائر البشرية والمادية والمعنوية، بينما يحفظ الصورة الأمريكية بين الإقرار المهين بالفشل أو الاستمرار في تحمل الخسائر ومواصلة المكابرة.
المرشح الديمقراطي أوباما يعتقد أنّ غزو العراق كان خطأ استراتيجيا، وبالتالي فإنّ استمرار التدخل الأمريكي، بالوتيرة القائمة حاليا، يمثل إهدارا هائلا للموارد المالية والبشرية الأمريكية. في حين أنّ الاهتمام الحقيقي كان يجب أن ينصب على أفغانستان والمنطقة القبلية في باكستان المحاذية لها، حيث المعقل الحقيقي للإرهاب الدولي وحيث يختبئ زعيم منظمة القاعدة وأعوانه، وحيث توجد قواعد حركة طالبان. وبناء على هذه النظرة, فإنّ أوباما سيسعى، في حالة فوزه، للإسراع بسحب القوات الأمريكية، وقد رفض تماما أية قواعد عسكرية أمريكية دائمة في العراق، إلا أنه استدرك معلنا إمكانية إدخال بعض التعديلات التكتيكية على خطته، وفقا لتقديرات القادة الميدانيين.
وخلافا لرؤية أوباما تسيطر فكرة الحرب ضد الإرهاب على عقل ماكين، وهو يصر على أنّ غزو العراق هو إحدى حلقات هذه الحرب. ولذلك أعلن استعداده للإبقاء على الجيش الأمريكي مائة عام إذا كان ذلك ضروريا لإحراز النصر، وهو يعتقد أنّ الانسحاب المتسرع سيجعل من العراق معقلا للإرهاب في قلب الشرق الأوسط، وسيؤدي لإشعال حرب أهلية قد تتحول لحرب إقليمية أو لعمليات إبادة جماعية، وأنّ ذلك الانسحاب سيمكّن إيران من السيطرة على منطقة الخليج الغنية بالنفط وذات الأهمية الحيوية للمصالح الأمريكية.
وفي الواقع، تحتل إيران مكان الصدارة في السياسة الشرق أوسطية للمرشحين، وبقدر ما أنّ ماكين يمثل استمرارا للإدارة الأمريكية الحالية في هذا المجال، فإنّ أوباما يؤمن بأنّ أمريكا لم تستنفد الخيارات غير العسكرية لمعالجة التهديد الإيراني وعليها تجربة الخيارات الديبلوماسية، ولهذا السبب يعارض التهديدات التي تطلقها إدارة بوش حول إمكانية شن حرب على إيران، تماما مثلما فعل عندما ناهض الحرب على العراق. وهو المرشح الرئاسي الذي يؤيد ديبلوماسية مباشرة صعبة مع إيران بدون شروط مسبقة، ويحبذ تقديم مغريات لإيران، في حال تخلت عن برنامجها النووي وأوقفت دعمها للإرهاب. أما إذا تابعت سياساتها تلك، عندها تقوم الإدارة الأمريكية، بالتعاون مع المجتمع الدولي، بالضغط الاقتصادي عليها وعزلها سياسيا. هذه هي الاستراتيجية التي يجدها أوباما الأنسب للتعامل مع إيران.
ويتفق أوباما وماكين على أنّ الجزء الذي لم ينجز بعد من الحرب على الإرهاب يكمن في أفغانستان وشمال باكستان، إذ يشدد أوباما على أنّ ملاحقة تنظيم القاعدة ستشكل لب استراتيجيته، وأنه سيسعى لتخليص أمريكا من حرب طائشة في العراق كي يقوم بهذه المهمة. أما ماكين فيولي أهمية متساوية للتهديدين، ويقول: إنّ الولايات المتحدة الأمريكية تحتاج إلى النصر في العراق كي تحظى بالمصداقية في أفغانستان وأماكن أخرى من العالم.
وبالرغم من أنّ أوباما قد يكون المرشح المفضل للعرب مقارنة بمنافسه ماكين، فذلك لا يعني تغييرا جوهريا في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، استنادا إلى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية دولة مؤسسات وليست دولة أفراد، وأنّ هناك استراتيجية عالمية تحدد مصالحها والرؤى التي لا يستطيع أن يخرج عليها أي رئيس مقبل، سواء أكان ديموقراطيا أم جمهوريا.
تونس في 26/10/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 30/10/2008.




















