قبل أن يكتمل أسبوع على بدء إسرائيل حملتها العسكرية على قطاع غزة، تراكمت نتائج سياسية وإعلامية أولى لهذا العدوان الشنيع، مع ازدياد الضحايا والجرحى، والتدمير لمنشآت ومنازل ومستودعات أدوية ومرافئ صيادين ومساجد. وإذا راج أن الوقت الآن ليس للوم والمؤاخذات، وأن الأولوية لوقف العدوان، فالمتابع يجد أن التلاوم هو الذي ساد، وأنه ليس في وسع عربي أو فلسطيني أن ينجز تلك الأولوية. وذلك كله مع استمرار البحلقة أمام التلفزيون للتفرج على المذبحة، واستمرار تفريغ الانفعالات الساخطة والمشاعر الغاضبة أمام هذا الفصل المستجدّ من الجموح الإسرائيلي، في مظاهرات ومسيرات، لم تمنعها السلطات العربية، رغبةً منها في تنفيس كل تلك الشحنات والانفعالات والمشاعر.
أولى النتائج، أن الوقائع الدامية في قطاع غزة دلّلت مجددا على الانكشاف العربي الذي عوين في غير مذبحة ومحطة، فظهر تعامل النظام العربي معها على تقليديته المعهودة، إذ يطلق الإدانات الرتيبة، ويستنجد في هذه المرة بمسعى تركي، وينشط في الاتصالات الهاتفية من أجل اجتماع مرتجل، أو عقد مؤتمر قمة تنقسم اجتهادات القيادات بشأنه، ويطلب من «المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته»، وكأن مسؤوليات صانع القرار العربي تقتصر في هذا المقام على حثّ العواصم الغربية على تدخل ضاغط على إسرائيل لتوقف عدوانها. وأكدت وقائع سابقة الإخفاق في ذلك، والشاهد الجديد تعامي المسؤولين الأميركيين في بياناتهم عن كل مظاهر التوحش في العدوانية الإسرائيلية، واستخفافهم بالمطالبات العربية بأن تلتفت واشنطن إلى أرواح المدنيين الفلسطينيين.
ومن النتائج أيضا، تعطّل السياسة في أداء حماس في أثناء محنة أهل غزة التي يكابدونها، حين استطابت الحركة إشهار الصمود باعتباره إنجازا، ونشطت في تخوين السلطة وبعض العرب، واعتبرت ذلك دلالة بطولة لديها، وكأن مشاهدَ التمويت التي يقترفها الوحش الإسرائيلي مناسبة لا بد من تثميرها للتأكيد على مفهوم المقاومة والإعلاء من فكرة الصمود. وهذا إسماعيل هنيّة يعلن أنهم (من هم ؟) ليسوا طلاب دُنيا، ويؤكد على صمودهم ولو أبيدت غزة، بتعبيره حرفيا، ويشيع حتمية الانتصار. وليس ثمّة ما هو أكثر مدعاة للفرح، لدى كاتب هذه السطور، من أن تنتصر حماس وفصائل المقاومة على إسرائيل، غير أنه يسأل كما غيره، عن المسؤوليات الإنسانية تجاه أهل غزة البائسين، وما إذا كانت حماس توليها بعض نظر، وبحس أخلاقي ووطني. وحين لا يرى الناطقون باسم الحركة في مثل هذا التساؤل غير تحميلها مسؤولية الذي يجري وتبرئة إسرائيل، فالتعقيب ببساطة هو الطلب إليهم أن يكفّوا عن صيغة الابتزاز هذه، وعن الجدل الكلامي. وفي الطلب كذلك منهم أن يحسموا خياراتهم بشأن ممارسة السلطة والمقاومة، بإبداع صيغة تزاوج فعليا بينهما، على أن تكون حمايةُ الفلسطينيين من الفظاعات الإسرائيليية الأولوية الأهم.
توازى مع هذا، أن حماس وحركات وأحزابا إسلامية، وفاعليات مثقفة، استطابوا منذ اليوم الأول للعدوان إشاعة أن تواطؤا جرى مع السلطة الوطنية وعواصم عربية بشأن تجريد الحملة العسكرية، وجاهر بعضهم، ومن دون تحرز، بأن شراكة تتم حاليا بين أنظمة عربية وإسرائيل.
وزاد متحدث باسم حماس أن خلية أنشأتها السلطة الفلسطينية تعطي العدو معلومات عن أمكنة قيادات الحركة في غزة، ما يذكّر بإشاعة في أثناء العدوان على لبنان في 2006 أن وزراء من «14 آذار « فعلوا الشيء نفسه بشأن مخابئ قيادات لحزب الله. وأفرط في تعميم هذه الدعاوى رمضان شلح والسيد حسن نصر الله ونايف حواتمة وعزمي بشارة وغيرهم، وقال بعضهم إن تلك الشراكة وذلك التنسيق، الأمني والسياسي السافر (حرفياً)، ومعهما العلم المسبق لدى عواصم عربية بالعدوان، لضرب مشروع المقاومة. والمدهش أن هذه الاتهامات التي لم يدلل أحدٌ على أيّ منها، يسّرت لها بذكاء، وسائل الإعلام العبرية، لمزيد من التيئيس والإحباط في الشارع العربي، وتلهيته بما يستطيبه من تقسيم العرب إلى متواطئين وغير متواطئين، ومن استسهال رمي هذا بالخيانة وإعطاء ذاك وسام الممانعة.
وذكرت «يديعوت أحرونوت « ـ مثلا ـ أن تسيبي ليفني أعلمت دولا عربية وأجنبية بالعدوان قبل حدوثه، ونشرت صحيفة عبرية أخرى أن رئاسة المخابرات المصرية طلبت في القاهرة من مسؤول أمني إسرائيلي قتل قيادات حماس. وفي اليوم الثاني للعدوان، زعمت القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي أن حكاما عربا طلبوا من تل أبيب المضي فيه، وكررت صحيفة إسرائيلية تاليا هذا الأمر، ونسبت «المعلومة» إلى إيهود أولمرت.
بوضوح، لم تكن إسرائيل تحتاج إلى شراكة من أي طرف عربي، ولا أن تُعلم أي عاصمة عربية بتفاصيل نواياها، ولم تكن في أي يوم تحتاج إلى أي غطاء رسمي عربي، ذلك أن الحال العربي أقلّ من أن يؤخذ في الحسبان ، وهو الذي صار انكشافه الواسع يتوازى مع بؤس أداء حركة إسلامية فلسطينية مقاومة، تفترض أن على الأمة أن تتبنى خيارها الوحيد، وهو، حاليا، ضرب سديروت وجوارها بما يتيسر، والتسليم بشرعية اختطافها غزة وأهلها، والانقياد وراء طموحات قياداتها بأن تتولى زعامة الشعب الفلسطيني، بعد تآكل منظمة التحرير واهتراء الوطنية الفلسطينية إلى شيء من الاحتضار. وهذه من عناوين معركة حماس في غزة منذ شهور، وتحتدم حاليا، نتمنى لها الانتصار فيها، أيا تكن الخواتيم، لأن الآلة العسكرية الإسرائيلية هي المعتدية على الشعب الأعزل والمختطف.
* كاتب فلسطيني.
"الحياة"




















