بعد أسبوع من بدء الحرب على غزة، أصبح بالإمكان تحديد ما تبتغيه إسرائيل، عسكرياً وسياسياً، من وراء شنها. كما أصبح بالإمكان أيضا تحديد ما تستطيعه وما لا تستطيعه خلالها وفيها.
عسكرياً، تريد إسرائيل تدمير حركة "حماس"، قياداتٍ وكادراتٍ وقدراتٍ ومعداتٍ ووحدات قتالية. كل ذلك بقصد إنهاء قدرتها على رمي المستعمرات والبلدات الإسرائيلية المجاورة لقطاع غزة بالصواريخ، وبالتالي تحقيق هيبة ردعية تمنعها من معاودة ذلك إذا ما تمكّنت من النهوض مجدداً.
سياسياً، تريد إسرائيل خلق وضع جديد لا يسمح عسكرياً وسياسياً بالعودة إلى ما قبله، وذلك لحمل "حماس" وغيرها من تنظيمات المقاومة الفلسطينية على التسليم بلاجدوى مواجهة اسرائيل وبالتالي الرضوخ لشروطها في التسوية السياسية الملائمة لها.
تحاول إسرائيل تحقيق أغراضها العسكرية والسياسية المذكورة آنفاً بالقوة الجوية والصاروخية، وإذا تعذر ذلك فبإستخدام الجيش برياً بهجمات مركّزة ومحددة لإحداث اختراقات مؤثرة في مواقع المقاومة بغية حملها على التسليم بوقف إطلاق النار على شروطها. ويكاد المحللون الإستراتيجيون يجمعون على أن إسرائيل تتفادى اللجوء إلى هجوم واسع لإحتلال قطاع غزة برمته بالنظر إلى جسامة الخسائر البشرية التي ستتكبدها من جهة، ومن جهة اخرى الى عدم قدرتها على إدامة الاحتلال واضطرارها تالياً إلى الانسحاب عاجلاً او آجلاً.
في مواكبة عملياتها العسكرية، جواً وبراً وبحراً، تحاول إسرائيل عبر إدارة جورج بوش الذاوية، وبعض الدول العربية "المعتدلة"، وحكومة السلطة الفلسطينية، ودول الاتحاد الأوروبي، لاسيما منها فرنسا، ممارسة ضغوط شديدة على "حماس" وحلفائها الفلسطينيين والعرب لحملها على التسليم بوقف إطلاق النار على الشروط الآتية:
• عدم التفاوض مع "حماس" "للحؤول دون حصولها على صفة شرعية"، كما صرحت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني خلال زيارتها الأخيرة إلى باريس.
• إنشاء جهاز مراقبة دولي للإشراف على تطبيق وقف إطلاق النار من دون مشاركة "حماس" في أعمال المراقبة، وذلك لضمان وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، ووقف العمليات التفجيرية على حدود القطاع، ووقف عمليات التهريب، ووقف تعاظم قوة "حماس"، كما جاء فيه صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية المستقلة منسوباً الى مصدر سياسي قريب من رئيس الحكومة إيهود اولمرت.
• تُفضل إسرائيل ان يتكوّن جهاز المراقبة الدولي من دول أوروبية وآسيوية غيـر صديقة للمقاومة، كما هي الحال في قوات "يونيفيل" في جنوب لبنان. لكنها لا تمانع في أن تشارك وحدات فلسطينية تابعة لسلطة محمود عباس أو لمصر أو لتركيا في قيادة هذا الجهاز او في تركيبته الميدانية. وفي كل حال، تريد إسرائيل ان تبقى المعابر المؤدية إلى قطاع غزة بأيدٍ غير فلسطينية – أوروبية أو تركية او مصرية – لكنها قد توافق على إشراك وحدات تابعة لسلطة محمود عباس شريطة ان تكون تحت قيادة غير عربية.
هل في استطاعة إسرائيل بلوغ هذه الأغراض والترتيبات العسكرية والسياسية ؟
من الواضح ان المرحلة الأولى، الجوية والصاروخية، من حرب إسرائيل على غزة قد أخفقت في تدمير "حماس"، قياداتٍ وقدراتٍ ومعدات، وبالتالي فإن المقاومة في غزة ما زالت في وضع يمكّنها من متابعة رمي الصواريخ على المستعمرات والبلدات المجاورة للقطاع. بل ان رمي الصواريخ تكشّف عن وجود نوع منها لا يقل مداه عن 40 كيلومتراً، هذا بالإضافة إلى نوع آخر تردد ان "حماس" تمتلكه ولا يقل مداه عن 60 كيلومتراً. مع العلم أن قلب تل أبيب ذاتها لا يبعد عن غزة أكثر من 65 كيلومترا.
هذا لجهة الحرب الجوية. اما لجهة الحرب البرية، فإنه من المستبعد ان تقوم إسرائيل بهجوم شامل لإحتلال القطاع للأسباب التي سبق ذكرها. وفي حال إكتفت بهجمات مركزة ومحددة للضغط على "حماس" فإن في مقدور هذه الأخيرة، على ما يبدو، تحملّها وعدم تمكين العدو من ليّ ذراعها لكونها "لم تخسر سوى القليل في الغارات الجوية"، كما أكد رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل.
على الصعيد السياسي، تبدو إسرائيل في وضع أفضل من وضعها الميداني في مواجهة "حماس". فمصر، بلسان أعلى مسؤوليها، حمّلوا "حماس" مسؤولية اندلاع الحرب لإمتناعها، على حد زعمهم، عن تجديد اتفاق التهدئة، في وقت اتهمها الرئيس حسني مبارك شخصيا بمحاولة الاستحواذ على معبر رفح، فيما ذهب وزير خارجيته احمد ابو الغيط إلى حدّ تحميل سوريا، بشكل غير مباشر، مسؤولية استمرار إغلاق معبر رفح بدعوى أن وزير خارجيتها وليد المعلم في الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب في القاهرة رفض إقتراحه بمطالبة "حماس" الموافقة على "عودة السلطة الشرعية الفلسطينية إلى المعبر ".
وكانت الدول العربية "المعتدلة"، أبرزها مصر والسعودية، رفضت اقتراح قطر بعقد قمة عربية طارئة وعاجلة الأمر الذي اظهر العرب، إقليمياً ودولياً، بمظهر الإنقسام والضعف وبالتالي عزز موقف إسرائيل، سياسياً وديبلوماسياً.
غير ان ذلك كله لن يؤثر كثيراً في موقف"حماس" وحلفائها الفلسطينيين والعرب. فالشعب الفلسطيني في وطنه وفي شتاته، وحتى المنظمات الفلسطينية غير المتحالفة مع "حماس"، اضطرت إزاء المذبحة التي تديرها إسرائيل في غزة الى التضامن معها. ثم إن إندلاع التظاهرات والاعتصامات، على مدى القارة العربية كلها وفي مشارق الأرض ومغاربها، يعزز معنويات المقاومة في غزة وفي كل مكان ويعوّضها القصور العربي الرسمي، السياسي والإعلامي. وثمة من يعتقد أن موقف الدول العربيــــة "المعتدلة" سيتغير تدريجاً لمصلحة المقاومة بفضل صمودها من جهة وإضطرار إسرائيل إلى تفادي إطالة القتال لتقليص خسائرها البشرية واقتراب موعد إنتخاباتها التشريعية من جهة أخرى.
ماذا نستطيع "نحن" أن نقوم به للحؤول دون تمكين إسرائيل وحلفائها من تحقيق أغراضها ؟
أقول "نحن" لأن الحرب على الشعب الفلسطيني عموماً وعلى "حماس" وسائر تنظيمات المقاومة خصوصا هو تحدٍ للعرب جميعاً، ولاسيما للقوى الحية في صفوفهم التي ترى الحرب الوحشية الإسرائيلية من منظار قومي واستراتيجي. نحن، فلسطينيين وعرباً، نستطيع الاستمرار عسكرياً وسياسياً في مواجهة إسرائيل وحلفائها على النحو الآتي:
عسكـرياً، تستطيع قوى المقاومة الصمود في مواقعها والدفاع عنها بقوة وصلابة، كما تستطيع تصعيد مستوى القتال والمواجهة، خاصةً إذا ما صعّد العدو عملياته الجوية والبرية، باللجؤ الى أسلحة أكثر تطوراً في حوزتها لتطاول مواقع في العمق أكثر حساسية وأهمية. وتستطيع قوى المقاومة توسيع دوائر الاشتباك مع العدو، بوسائل عدة وبوتائر متصاعدة، لتشمل جميع أنحاء فلسطين التاريخية لفترة زمنية طويلة.
كما تستطيع قوى المقاومة والممانعة في القارة العربية وسائر أنحاء العالم مواجهـة إسرائيل وحلفائها بوسائل ووتائر كفاحية متنوعة شريطة عدم المساس بالمدنيين، أفراداً ومؤسسات.
الى ذلك، يجب الإيمان بحقائق راسخة وبالتالي الإنطلاق منها وهي ان إسرائيل لم تستكمل بعد مشروعها الصهيوني الاستيطاني العنصري الاقتلاعي، وان موازين القوى الإقليمية والدولية ما زالت تسمح لها بمتابعة تحقيقه ما لم تصطدم بمقاومة مؤثرة لها وله، وان مخطط التوسع الصهيوني يتصف بالتدرج والتمرحل، وانه لم ولن يتوقف عند حدود ما اغتصبته إسرائيل حتى الآن بل هو مستمر ومتصاعد وسوف يشمل كامل فلسطين التاريخية، أراضي وشعباً، بما في ذلك أراضي عرب فلسطين المحتلة سنة 1948 ما سيؤدي الى تهجيرهم بلا رحمة، وان لا أمل ولا مصلحة لنا في الركون إلى دول النظام الإقليمي العربي المتهرئ والمتداعي لأن بعضاً منها غادر مواقع الصمت والتفرج إلى مواقع التلاقي والتعاطي العملي مع العدو بدعوى المحافظة على الذات وعلى المصالح القطرية المهددة، وان مواصلة المواجهة ضد العدو، سياسياً وعسكرياً، يُبقي القضية كما المقاومة حية ومتصاعدة ولاسيما في الحاضر والمستقبل المنظور، وخصوصاً بعد الأزمة المالية والاقتصادية العارمـة التي عصفت بالولايات المتحدة الأميركية وحليفاتها وبالكيان الصهيوني تحديداً، وان عناد العدو الصهيوني وتصميمه على منع العرب حالياً، وإيران حالياً وعملياً، من امتلاك أسلحة نووية يرميان إلى تخليد قدرته وهيبته الردعيتين ضـد العرب والمسلمين مجتمعين، وان لا مناص، والحال هـذه، دون امتلاك دول عربية، كما إيران، قدرات نووية مؤثرة لموازنة قدرات العدو وردعه، وان لا مناص، في سياق إختصار فترة الآلام والعذابات وبالتالي الحسم بالمواجهة الشاملة، من تسليح قوى المقاومة بأسلحة الدمار الشامل ذات المدى القصير لترهيب العدو وردعه وبالتالي إحباط مطامعه التوسعية ومواجهة قدراته العسكرية والقتالية وحمله على التراجع تدريجاً على نحوٍ يمكننا من احتوائه وتعطيل مخططاته العدوانية ومن ثم تجاوز نظامه العنصري السرطاني.
سياسياً، نستطيع الإستمرار في موقف الصمود وعدم الإنزلاق إلى تقديم تنازلات الى العدو مهما كان الثمن. ذلك ان وتيرة ومستوى التعبئة الوطنية والنفسية والسياسية، الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية، تمكّننا من تحمّل أقسى الآلام والعذابات والخسائر البشرية ما يقضي بعدم إجهاضها البتة بتنازلات سياسية غير مجدية.
غير ان الصمود وعدم التنازل لا يستوجب إغلاق باب التفاوض من أجل تقليص الخسائر البشرية والمعاناة الحياتية شرط عدم التفريط بالأهداف السياسية والمتطلبات العسكرية التكتيكية والإستراتيجية. من هنا فإن أي ترتيبات تراعي هذه المطالب والمتطلبات يمكن الموافقة عليها ضمن الشروط الآتية :
• الإصرار على ان التفاوض والتعاقد يتمّان مباشرة مع "حماس" او مع حكومة إسماعيل هنية وليس بالوكالة أو بالواسطة. والتنازل الوحيد الممكن في هذا المجال هو في تأليف حكومة وحدة وطنية لتسهيل التفاوض وتفعيله، تكون أكثرية أعضائها من "حماس" وحليفاتها والقوى الوطنية المشاركة في المواجهة القائمة مع العدو الصهيوني.
• الإصرار على ان يكون جهاز المراقبة الإقليمي أو الدولي مؤلفاً من دول عربية وإسلامية صديقة أو غير معادية للمقاومة، على ان تشارك فيها قوى المقاومة الفلسطينية لاسيما "حماس".
• الإصرار على ان تشارك حكومة إسماعيل هنية او حكومة الوحدة الوطنية التي تخلفها في إدارة المعابر جميعاً، ولا مانع ظرفياً في مشاركة حكومة السلطة الفلسطينية (محمود عباس) في الإدارة إذا تعذر قيام حكومة وحدة وطنية.
• الإصرار على ان يشتمل إتفاق الهدنة أو وقف إطلاق النار على بند برفع الحصار وجميع أنواع العقوبات التي تفرضها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية.
• الإصرار على ان يشتمل اتفاق الهدنة او وقف إطلاق النار على بند يقضي بوقف الإستيطان وإزالة جميع المستوطنات العشوائية التي لا يقل عددها في الضفة الغربية عن 120 وبالتالي إزالة جميع الحواجز المفروضة على طرق المواصلات في الضفة في مهلة أقصاها ستة أشهر من تاريخ توقيع الاتفاق تحت طائلة ممارسة الفريق الفلسطيني حقه في اللجؤ الى المناهج والآليات والوسائل التي يراها مناسبة للدفاع عن حقوقه غير القابلة للتصرف ولتنفيذ بنود الاتفاق كاملة.
• الإصرار على ان يشتمل اتفاق الهدنة او وقف إطلاق النار على إلزام إسرائيل بتعويض الفلسطينيين حكومةً وشعباً، الخسائر والأضرار الناجمة عن الحرب الأخيرة. وإذا امتنعت إسرائيل ضمن مهلة محددة عن توفير التعويضات المالية اللازمة لمباشرة أعمال إعادة البناء والترميم ومعالجة الجرحى والتعويض على ذوي الشهداء والمتضررين، تكون الأمم المتحدة والدول الراغبة مُلزمةً بتوفير الأموال والاعتمادات اللازمة لتأمين الأعمال والمتطلبات السالفة الذكر.
قومياً وإنسانياً، وبصرف النظر عمّا يتم تنفيذه وانجازه من البنود التعاقدية والتعهدات المالية وأعمال الإغاثة والمساعدة والتعويض المشار إليها أعلاه، يقتضي ان تقوم الدول العربية والإسلامية كما الدول الراغبة بمد يد العون المالي والفني لحكومة إسماعيل هنية او لحكومة الوحدة الوطنية التي تخلفها من أجل المباشرة فوراً في أعمال إعادة البناء والترميم والمعالجة الطبية والإغاثة والمساعدة الإجتماعية. ولعلنا لا نجازف وبالتالي لا نخيب إن نحن ناشدنا رجل النخوة والشهامة العربية الأصيلة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بأن يبادر الى إفتتاح حملة إغاثة الشعب الفلسطيني، كما كان شأنه عندما افتتح حملة إغاثة الشعب اللبناني فور انتهاء حرب 2006، بمبلغ كبير من المال يوضع بتصرف حكومة إسماعيل هنية أو بتصرف حكومة الوحدة الوطنية التي تخلفها. كل ذلك من اجل تكريس واجبين:
الأول، البرهان بالعمل الملموس الصادق ان العربي أو المسلم او الإنسان الشريف إلى أي ديانة أو عقيدة انتمى، يستطع الجهاد بماله إن لم يستطيع، لأي سبب من الأسباب، ان يجاهد بنفسه وحياته.
الثاني، ان التجاوب الحق مع مقاومة الشعب الفلسطيني قد تمت سريعاً بتوفير الأموال اللازمة لتضميد جراحه وإغاثة إنسانه وإعادة بناء عمرانه.
هكذا تتربص الأمة بالأشرار، وتكبر وتتمجد بالأحرار والأخيار.
(محامٍ)
"النهار"




















