المستقبل
لقد تصاعد اهتمام العرب بالقضية الفلسطينية، على ضوء وعيهم لمخاطر المشروع الصهيوني على المصير العربي برمته، وتحول هذا الاهتمام إلى عتلة لشحذ الوعي بضرورة الوحدة والتضامن، وهو ما ظهر جلياً في تصاعد نفوذ الفكرة العربية، ولهذا جمع مؤتمر القدس في بداية الثلاثينات رجالاً من المشرق والمغرب، وظهرت المؤلفات النظرية القومية البارزة، متواقتة مع تصاعد النضال الفلسطيني.
هزت نكبة فلسطين عام 1948م البنيان السياسي العربي، ومعها مشاعر العرب وأفكارهم، فأسقطت نخباً قديمة، وأتت بالنخب القومية الراديكالية، فاحتلت فلسطين موقع القلب في السياسة العربية، الرسمية والشعبية، لاسيما في حقبة صعود الناصرية.
وضعت هزيمة 1967م، النخب القومية الراديكالية، في موقع الدفاع الاستراتيجي، وزحزحت مصداقية خطابها، لصالح مفهوم يُمرحل الأهداف الفلسطينية ـ العربية، على ضوء ميزان القوى القائم، وهكذا باتت الخطة الجامعة لأغلب العرب: إزالة آثار العدوان، إلا أن فلسطين ظلت في مستوى المحور الأول للعمل العربي، والمحرك الأول لهذا العمل، وحافزاً محرضاً على الوحدة والتضامن.
أتى الانعطاف الحاسم في السياسة العربية إثر الحرب العربية ـ الإسرائيلية الرابعة عام1973، حينها توصل أصحاب القرار في الجانبين: العربي والإسرائيلي إلى الإستنتاجات التاريخية الضمنية: استنتج أصحاب القرار العربي،أن شعار تحرير فلسطين طوباوي غير واقعي، دونه حروب مدمرة لاتنتهي بما فيها الحرب النووية، وبالمقابل استنتج أصحاب القرار في إسرائيل: إن المشروع الصهيوني الهادف إلى قيام دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، هو بدوره مشروع مستحيل! فكان لتوصل طرفي الصراع إلى هذين الاستنتاجين أثره في خلق أرضية صلبة لاستراتيجية التسوية، فتحولت جهود كل طرف منهما، من حينها، إلى تحسين شروط التسوية، وغاب بالمقابل شعاري تحرير فلسطين، وإسرائيل الكبرى وإن بقيت إسرائيل تمارس سياسة التوسع تحت متطلبات الأمن، ولم تنسحب من سيناء ثم غزة وبعض أراضي الضفة إلاّ تحت الضغط! وعلى هذا، لم تقم، بين العرب وإسرائيل، حروب نظامية منذ حرب1973، اقتصرت نزاعاتهما على حروب بين إسرائيل ومنظمات مقاومة، ربما لإدراك الدول العربية التكلفة الفادحة للحرب ورهانها على خيار السلام.
وهكذا، ومنذ أقدمت مصر على عقد اتفاقية الصلح مع إسرائيل، تحولت القضية الفلسطينية، في السياسية العربية، إلى قضية "خارجية"، بعد أن كانت على الأقل نظرياً، مسألة داخلية للسياسة العليا لكل قطر عربي، وهو ما فتح المجال لأن يذهب كل قطر لحل مشاكله، أو علاقاته مع (إسرائيل) منفرداً! فازدادت السياسة العربية الرسمية تخفّفاً من المسألة الفلسطيني، حتى صارت مسألة (خارجية) وحسب، على الرغم من بقائها، أثناء المحن الكبرى كمحنة غزة الحالية، في مركز الانشغالات الشعبية.
لذا تمحور نشاط الحكومات العربية على الشأن الداخلي، لا سيما في ظل تفاقم أزمة الشرعية في الحكم، ووصول طرق التنمية المعتمدة إلى طريق مسدود، وانفجار الخلافات العربية ـ العربية، إلى درجة التصادم، كحال العراق مع الكويت، ولقد ساهم في ذلك الانقسام الفلسطيني العميق، والتردد بين رؤية عدمية للصراع تحت شعار تحرير فلسطين من البحر إلى النهر تجعل الصراع أبدياً باعطائه ملمحاً دينياً يتجابه فيه الكفر والإيمان! وبين رؤية لا تزال مترددة في اختيار التسوية كخيار استراتيجي والتصرف على مقتضاه.
وبالمقابل، اتجهت السياسة الفلسطينية، ممثلة بسياسة (منظمة التحرير) نحو الاعتماد على الذات، والحفاظ على استقلال قراراتها الوطنية في خضم الصراعات العربية ـ العربية، في الوقت الذي اتجهت فيه لتطويع سياستها لملاقاة اتجاهات الأحداث والوقائع والاستراتيجيات التي تمخضت عنها حرب 1973، فبدلاً من شعار تحرير فلسطين تقدمت بمشروع إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي التي اُحتلت عام 1967، وحق العودة، كنوع من التسوية التاريخية للصراع العربي ـ الإسرائيلي. فتلاقت مع استراتيجية التسوية المعتمدة، واتبعت في تكتيكها نهج الاعتماد على الإمكانات الذاتية، والنظر إلى المقدرات العربية كإحتياط استراتيجي وعامل مساعد، فعلى الفلسطينيين أن يقوموا بالجهد الأساسي. وانطلاقاً من هذا التوجه العميق شقّت الانتفاضة الأولى (ثورة الحجارة) طريقها عام 1987، التي انفجرت بعد خروج عرفات من بيروت وتراجع الرهان على الدور العربي لصالح الاعتماد على النفس، فسجلت أول انجاز حقيقي للفلسطينيين المتمثل في اتفاق أوسلو، الذي أسس المدماك الأول للدولة الفلسطينية المستقلة، وانتقلت الحركة الفلسطينية بمقتضاه إلى الداخل، وشقت طريقها العسير نحو هدفها، وسط مخاطر واجهتها من جهتين، أولاها من السياسة الإسرائيلية التي لاتزال مترددة بين نزعتها التوسعية العدوانية الأصيلة وبين إدراكها لضرورة التسوية، أما المخاطر الأخرى فمصدرها العدمية السياسية للحركة الإسلامية التي انخرطت متأخرة في النضال الفلسطيني (الجهاد 1979 وحماس 1988 أي بعد الانتفاضة)، والتي حولت القضية الفلسطينية من مسألة سياسية تتعلق بحق تقرير المصير لشعب ووطن إلى مسألة دينية ميتافيزيقية تتعلق بـ(وقف إسلامي) مقدس، وأعلنت أنه من الكفر المساومة السياسية عليه، وحولت النضال الوطني إلى صراع بين الكفر والإيمان، ونظرت إلى تاريخ نصف قرن من النضال الوطني الفلسطيني في إطار منظمة التحرير الفلسطينية كتاريخ كفر لمجموعة من الكفرة، لذا انصبت جهودها على تعطيل أي تقدم على طريق التسوية، أما على صعيد الممارسة السياسية الفعلية، فقد رهنت سياستها بالدور الإقليمي الإيراني، واستخدمت صندوق الاقتراع للانقلاب على السلطة، فغدت غزة بمثابة رهينة بين مغامراتها والإجرام الإسرائيلي، إذ اتبعت تكتيكاً مغامراً لا يكترث بموازين القوى فعرضت غزة لمجزرة إسرائيلية في خاتمة 2008، بعد أن أدخلت فلسطين في المحاور الإقليمية!




















