1
الصديق طلعت وفا صحافي سعودي مهني ومحترف، يتصل بي بين حين وآخر ليسأل عن أخبار منظمة اليونسكو. هو لا يبحث عن أي خبر، حتى لو كان حشواً هامشياً، ليمكّنه من إبراز اسمه في الصحيفة أو اقتناص مكافأة الخبر. بل هو يلحّ في متابعة الأخبار الحقيقية، ولذا ازداد إلحاحه في سؤالي عن الجديد في اليونسكو عندما بدأت الآليات الاسرائيلية تعبث في باب المغاربة بالمسجد الأقصى، يسأل ويتابع وينشر بكل دقة وأمانة.
في الآونة الأخيرة خبت اتصالات طلعت وفا، لكنها لم تتوقف. سألته فأجابني بأن مرض السرطان الذي اصابه يهاجمه بقوة لكنه لن يستسلم له.
ذهب طلعت وفا إلى أميركا لتلقي جرعة العلاج الكيماوي، ثم عاد ليتصل بي في تشرين الاول (أكتوبر) الماضي ليسأل عن جديد مشكلات ملف القدس والمسجد الأقصى، لدى منظمة اليونسكو. أردت أن أسأله بالتفصيل والاهتمام عن وضعه الصحي، أجابني بخير.. لكنه أبى الاستطراد إلا في ما اتصل لأجله، وهو موقف اليونسكو من العبث الاسرائيلي بالمسجد الأقصى.
قبل أسبوعين اتصل بي طلعت وصوته ضعيف يتهدج، سألته فقال لي بأن المرض الخبيث قد صعد من جوفه إلى رئتيه.. لكنه بخير، ثم استطرد يسأل عن حظوظ فوز المرشح العربي في انتخابات رئاسة منظمة اليونسكو في تشرين الاول 2009.
انتهت المكالمة، وخطر في بالي تخصيص مقالة في هذا العمود الاسبوعي عن مهنية وصدقية ونبالة طلعت وفا. قلت في نفسي إننا دوماً لا نعبّر عن مشاعرنا تجاه من يستحق إلا في رثائه عندما يموت. لماذا نحرم الأكفاء من أن يروا ويسمعوا الثناء والاعتراف بالجميل لهم وهم أحياء؟! وكتبت المقالة عن طلعت وفا لنشرها في عمود الأربعاء الماضي، لكن الحرب الاسرائيلية على غزة فرضت عليّ وعلى غيري مواكبة الحدث فوراً، ولذا أرجأت مقالتي عن الصديق الصحافي المهني طلعت وفا إلى هذا اليوم، حتى يقرأ بعض مشاعري نحوه وإعجابي المتناهي بقوته ودافعيته المتواصلة رغم المرض الخبيث.
ها أنذا أنشر اليوم مقالتي عن طلعت وفا، حتى يعلم الزميل العزيز أن الناس ما زالوا، رغم غبار الأخلاق، يفرّقون بين الغث والسمين والصادق والكاذب والمهني والانتهازي.
أكتب اليوم عن طلعت وفا حتى يعلم أننا نتابع بكل عجب وإعجاب معركته مع السرطان الخبيث، مثلما نتابع ويتابع هو أيضاً بكل حدب وحنوّ هذه الأيام معركة الفلسطينيين مع السرطان الخبيث!
أكتب اليوم عن طلعت وفا، لكنه للأسف لن يقرأ ما أكتبه عنه اليوم.. لأنه رحل بالأمس.
يا الله.. لو كنت نشرت مقالتي الأربعاء الماضي لكان قرأها، لكن تكالب السرطان الذي في جسده مع السرطان الذي في جسدنا العربي منعا ذلك عني وعنه.
رحل طلعت وفا بالأمس، فتحولت مقالتي عنه اليوم من ثناء إلى رثاء!
2
في عالمنا العربي يبدأ الصحافي «محرراً» ثم ينتهي «مستعبداً»!
طموح الصحافة لا يتوقف عند نجاح الصحافي في أداء مهمته ومهنته، بل لا بد للصحافي «الناجح» من أن يبدأ مشواره الصحافي في الميدان وينتهي على الكرسي. لأن الصحافي الذي لم ينه حياته الصحافية على كرسي وثير لا بد أنه لم يعرف من أين تؤكل الكتف!
لأجل هذا قلّما تجد في العالم العربي صحافياً يعمّر طويلاً في الميدان، ينتقل إلى مكان الحدث، ويجري حواراً مع شخصية الحدث، بالمسجلة الصغيرة التي في جيبه، مثلما كان يفعل طلعت وفا. أتى يوماً إلى باريس ضمن وفد إعلامي رفيع المستوى، أبى أن يتابع الحدث من ردهة الفندق، التقط مسجلته الصغيرة وانطلق يتابع بنفسه مجريات الزيارة في الهيئات الرسمية الفرنسية. ثم اتصل بي يطلب موعداً لإجراء حوار مع أحد مسؤولي منظمة اليونسكو حول ما يجري في المسجد الأقصى. قلت له هل أرتّب لك مصوراً يرافقك أثناء الحوار؟ قال لي: مصور ليه؟ كاميرتي في جيبي وسأجد بجوارنا من يتبرع بالتقاط صورة ثنائية لي معه في ختام الحوار.
للذين لا يعرفون طلعت وفا ويظنون أنه صحافي لا يتطور ويترقى، فقد تنقّل خلال أكثر من ثلاثين سنة في الصحافة، من محرر مبتدئ إلى محرر محترف، مروراً باستلامه مدير مكتب صحيفة ثم رئيس تحرير ثم مستشار تحرير، في صحيفة «الرياض» السعودية. ولذا فهو لم يكن مستمراً في الركض وراء الأخبار والأحداث من منطلق نهم مادي أو نهم وظيفي، بل هو نهم مهني لم يشبعه سوى الموت.
لم يترفّع طلعت أن يجري بيده، حتى أواخر حياته، الحوار والتحقيق والخبر والصورة، لأنه كان مؤمناً بأنه صحافي ميدان لا صحفي ديوان!
كان آخر اتصال تلقيته منه قبل عشرة أيام يسألني هل هناك مرشحون جدد لمنصب مدير عام اليونسكو؟ وفي 29 كانون الاول (ديسمبر) الماضي (أول محرم)، أي قبل أسبوع من الآن، كتب في زاوية «حدث في الاخبار» بصحيفة «الرياض»، تعليقاً بعنوان: «دور المملكة في التهدئة بين إسلام أباد ونيودلهي». إنه صحافي حتى آخر قطرة من حبر حياته، رحمه الله.
3
آه.. يا طلعت وفا، لو بقيت لترى سؤالك المتواصل عن العبث الاسرائيلي في باب المغاربة بالمسجد الأقصى، وترى بالمقابل ما يكتبه بعض الصحافيين العرب عن الهمجية الاسرائيلية الآن في غزة. أنت تهتم و تسأل عن «باب» وهم لا يسألون عن «بشر».. لأن «أخلاقهم المهنية» تلزمهم بالوقوف على الحياد أمام السفاح والدم المسفوح.. هذا إن وقفوا على الحياد!!
رحمك الله يا طلعت وفا، وأثابك على صبرك وصدقك وأخلاقك المهنية الحقيقية، وألهم أهلك وأحبابك ونحن منهم الصبر على فراقك.
* كاتب سعودي
ziadalhayat@hotmail.com
"الحياة"




















