وكأن بلدان العالم العربي لا يكفيها ما فيها، من أزمات وقضايا خلافية وتوترات وأزمات ومعاناة من البؤس والجهل والتسلط، لتأتي مواسم الانتخاب فتتحول نقمة جديدة تضاف الى الموجود من النقمات.
في المبدأ والتطبيق، الانتخابات من الآليات السلمية لتنظيم السلطة وعلاقتها بالمجتمع، وهي تكون دوريةً، من اجل ضمان قدرة التعبير لدى الناخب لأداء المسؤولين، وضمان التداول السلمي، وهي في الوقت نفسه آلية من اجل الحسم في اتجاه الرأي العام لدى حصول ازمة كبيرة. في هذا المعنى، وفي كل البلدان التي تعتمد النظام الديموقراطي، وووسيلته الاساسية الانتخابات، يكون الاقتراع الشعبي المدخل لإعادة ترتيب السلطة او الخروج من ازمة سياسية. ولا يضير الحكم او يقلل من شرعيته ان يحكم بغالبية لا تتجاوز 51 في المئة من المقترعين، ولا يضير المعارضة ان تعارض بأقلية تصل الى 49 في المئة.
وكما وصف رئيس الحكومة البريطاني الأسبق وينستون تشرشل الديموقراطيةَ بانها “الأقل سوءاً بين النظم السياسية المعروفة”، فان ما يجعلها اقل سوءاً من غيرها هو، تحديداً، احترام العملية الانتخابية وما تفرزه صناديق الاقتراع.
اما في بلداننا العربية التي تعتمد نظام الاقتراع الشعبي، فقد أُدخلت – قسراً – تغييرات جوهرية على وظيفة الانتخاب، فهو غدا المناسَبة لإعادة تجديد شرعية الحكم القائم، حتى لو اقتضى الامر تغيير قوانين الانتخاب، بدل ان يكون آلية للتداول السلمي. وهو ايضا المناسَبة لتفريخ ازمة جديدة على مستوى ممارسة السلطة بدل ان يكون حلاًّ لأزمات عالقة تتعلق بهذه الممارسة.
وقد تتغير معطيات ثانوية او تكتيكات في تشويه وظيفة الانتخاب بين بلد وآخر، لكن السلطة والمعارضة تتفقان في كل الاحوال على هذا التشويه، فالحاكم لا يقبل بأقل من استمرار حكمه وفرض سلطته، عبر استخدام كل مكونات الدولة، التي من المفترض ان تكون حيادية. والمعارِض لا يقبل بأقل من ان يتولى الحكم، بغضّ النظر عن حجم تمثيله ووسائل اجتذاب هذا التمثيل.
وقد لا تكون التجارب في المغرب او الجزائر – مثلاً – متطابقة حرفياً مع تلك التي حصلت في اليمن او البحرين، كما ان ما شهدته انتخابات الاردن لم يتكرر في مصر، ونتيجة الانتخابات في لبنان لم تكن نفسها في العراق.
لكن في كل الاحوال، لم يجد الناخب في هذه البلدان كلها، ان لصوته تأثيراً كبيراً في التحول نحو الافضل، لا بل كان الإدلاء بهذا الصوت مناسَبةً للمباعدة بينه وبين السلطة، ولزيادة ازمة الثقة القائمة أصلاً بينهما.
والى هذه النقمة المتصلة بالانتخابات عموماً، ابتُدعت في لبنان والعراق وظيفتان جديدتان للاقتراع، وهما: فرض مشاركة الاقلية في الحكم، كما في لبنان، واستئثارها بالحكم، كما في العراق، وكل ذلك باسم الوحدة الوطنية ومساهمة كل المكونات السياسية في الحكم. في مثل هذه الحال، يتحول الاقتراع فولكلوراً بحتاً، بعدما انتفت وظيفته كآلية توفِّر للغالبية التي اختارها الناخبون القدرة على الحكم. واذا رغبت الاقلية في المشاركة، فإنها تشارك على اساس برنامج الغالبية الفائزة وليس على اساس برنامجها المعارض.
هذا التشويه المتعمد للاقتراع الشعبي جعل الحكومة المنبثقة عن الانتخابات في لبنان حكومة تصريف اعمال منذ تشكيلها، وجعل الحكومة العراقية تنتظر شهوراً طويلة بعد الاقتراع قبل التمكن من تشكيلها، اي انتهى الى حكومات مأزومة قبل ان تبدأ عملها.
هذا التشويه يستبعِد في بلدان مثل مصر والاردن التمثيلَ البرلماني لفئات شعبية واسعة، ما يجعل الشكوك تحيط بنتائج الانتخاب وشرعيتها ويؤسس لأزمات لاحقة.
“الحياة”







