موقع كفى صمتا: 4-12-2010
حين خطرت في ذهني فكرة هذه المقال، انتابني شعور كبير بالحماسة، وما أن انتهيت من تحضير المادة الأولية له، حتى وجدت نفسي أسيراً لأفكار وأحاسيس، تمزج بين القلق والخوف سمحت لنفسي في التعبير عنهما، مما جعل حجم المقال أضيق من إشاراته، وأكبر من قدرتي على التحمّل.
فقد كانت فكرة هذا المقال، التعليق على التعميم الذي أصدره وزير الداخلية السوري رقم/1931/ تاريخ 14/10/2010، المتضمن الطلب إلى عناصر الشرطة والأمن السياسي والأمن الجنائي العمل على إلقاء القبض على كافة المجرمين والفارين من العدالة المطلوبين بموجب نشرات شرطية ومذكرات قضائية وإذاعات بحث، وكذلك على البرقية رقم/5131/ تاريخ 18/10/2010، التي قرر فيها الوزير نفسه عدم إحالة أي مقبوض عليه إلى القضاء بمواضيع بسيطة وعادية، إلا بعد العرض عليه، وصدور قرار الإحالة من قبله.
في هذين القرارين دلالات مهمة، حيث يعكس الأول منهما حالة التقصير والإهمال الواضح من قبل الموكل إليهم مهمة الحفاظ على أمن المواطنين وسلامتهم في القيام بوظائفهم، حتى تطلب الأمر تعميماً يصدر من مستوى عال كوزير الداخلية،يؤكد عليهم ما هو من صميم عملهم اليومي، ويذكرهم في نفس الوقت ضرورة الحذر من سلوك طرق الفساد وتلقي الرشاوى مقابل غض الطرف عن القبض على هؤلاء المطلوبين، وهو السبب المباشر لهذا التعميم، أقله وفقا لما صُرح عنه!
القرار إياه يكشف حجم الفساد المنتشر في تلك المؤسسات، وهو ما قد يضطر الوزير في حال قرر معاقبة المخالفين لقراره، إحالة ثلاثة أرباع موظفيها إلى القضاء.
ومن ناحية أخرى، يبين القرار الثاني الحالة الاعتباطية التي سوف يتم فيها تطبيق القرار الأول، فحصر سلطة اتخاذ قرار الإحالة على الوزير، يعني أن السيد الوزير وهو:”نائب الحاكم العرفي، قد وسع من نطاق تطبيق قانون الطوارئ ليشمل حتى الجرائم العادية والبسيطة، التي لا تشكل في طبيعتها خطراً على الأمن والنظام العام. وهي مخالفة صريحة وواضحة ليس لأحكام الدستور السوري، بل حتى لأحكام قانون الطوارئ نفسه.، الأمر الذي لقي استنكاراً من القضاة والمحامين على السواء والكثير ممن علم بصدوره، وفقاً لنشرة كلنا شركاء بتاريخ 2/11/2010.
ونذكر هنا على سبيل المثال حادثتين تشكلان دلالة واضحة على هذا الانتقاص من سلطة القضاء، والاعتداء السهل على الحريات العامة، تم في الأولى منهما توقيف شاب يضع حلقاً في أذنه، وفي الثانية أوقف شاب بسبب الاشتباه في اسمه، حيث بقي هذان الشابان قرابة العشرين يوماً موقوفين في السجن نتيجة الوقت الطويل الذي استغرقه وصول ملفيهما من قسم الشرطة إلى القيادة العامة للشرطة إلى مكتب الوزير –نائب الحاكم العرفي- وعودة قرار الوزير إلى قسم الشرطة بوجوب إنهاء توقيفهما العرفي، ومن ثم إحالة ملفهما إلى القضاء ليتم إخلاء سبيلهما أصولاً، مما قد كلف هذين الشابين عدا عن حجز حريتهما خلافاً للدستور والقانون، تكلفة مالية تقدر بخمسة وعشرين ألف ليرة سورية لكل منهما، دفعت كمصاريف شخصية في السجن، وذهب معظمها إلى عناصر الشرطة كأجرة سيارة نقلهما إلى المحكمة، وأجرة كاتب الضبط، وأجرة موظف الديوان في المحكمة، وأجرة آذن المحكمة- على أن التسمية التي اعتمدها جميع هؤلاء الموظفين لهذه المبالغ هي العيدية..! حيث صدر قرار الوزير قبل عيد الأضحى..إنها فعلاً “عيدية” الوزير لمواطنيه.
وإذا ماعلمنا أن حصيلة هذه الحملة الأمنية التي لاقت “ترحيباً” من وسائل الإعلام والمواطنين أشاركهم فيه، كان توقيف مابين (82 إلى 85) ألف مواطن يعدون مطلوبين للعدالة، يصبح من الواجب التفكير بما هو أبعد وأعمق من الأثر المباشر لهذه الحملة، وهذا بالضبط ما اعتبرته في مقدمة المقال سبباً للقلق والخوف.
خوفي من فكرة أنه كان هناك هذا العدد الهائل من المطلوبين للعدالة، وبينهم من يعد مجرماً بامتياز، يتجولون ربما لسنوات في أحيائنا، وشوارعنا، وحدائقنا، وأمام أعين المسؤولين عن الأمن وتحت أيديهم، ودون اتخاذ أي إجراء بحقهم.
وخوفي من اتخاذ هكذا قرار في المستقبل من عدمه، فقد أكون أنا، أو أي مواطن اعرفه أم لا، ممن سوف يتعرض لما تعرض إليه أحد الشابين المذكورين في المثال السابق. وقد أكون أنا، أو أي مواطن اعرفه أم لا أيضا، ارتكب جرماً وظل طليقاً ينشر الخوف والرعب والقلق بين المواطنين.
خوفي من هذا الاستهتار واللامبالاة في مستقبلنا، نحن من نسمى مجازاً مواطنين، الذين علينا أن ننتظر قراراً (موسمياً) كهذا! يتذكر فيه المسؤولون عن أمننا وسلامتنا أن لنا حقاً عليهم بتنا نتسوله في وطننا، عن طريق صلاة استسقاء لماء جفت منه الأرض لفساد إدارة وانعدام مشروع أو انتظاراً لمنحة وهبة ينتشر خبرها كالنار في الهشيم، تعيننا على غذائنا ولباسنا قبل قدوم عيد صرنا نتمنى أن لا يأتي. أو انتظاراً لمعونة تدفئنا هذا الشتاء، ولا بأس ببعض الإهانة والذل، وبضربات عناصر الشرطة لطوابيرنا المنتظرة الحصول عليها، والتي سنقابلها بالابتسامة، وطلب الرأفة، واعترافنا الأبدي بأننا نحن المخطئين..!
خوفي من استراتيجية الكذب التي يعتمدها المكتب المركزي للإحصاء و هيئة تخطيط الدولة من أن معدل البطالة في البلاد لا يتجاوز (7.5%)، بينما تقدره جهات غير حكومية بـ (22%)، ما يعني وجود ثلاثة ملايين عاطل عن العمل. وان نسبة الفقر في سورية لعام (2004) مثلاً، تصل إلى (11.4%) استناداً إلى خط الفقر الأدنى، لكنها وفق تقديرات أخرى تصل إلى (30.1%) من عدد السكان عندما يتم استخدام خط الفقر الأعلى أي ما يقارب اليوم سبعة ملايين نسمة. وان معدل الأمية (5%) وفق التقديرات الحكومية و(20%) بحسب التقارير غير الرسمية. وانه وبحسب دليل منظمة الشفافية الدولية غير الحكومية عن الفساد لعام (2010) حققت سورية مؤشر(2.5) فحلت بذلك في المرتبة (127) من أصل (178) دولة شملها التقرير، فيما كانت في العام (2004) تحتل المرتبة (93). فهل كان المقصود من تبني السلطة السياسية لشعار الشفافية هو الصعود إلى القمة فيه.!؟
خوفي من أنباء تقذفني يميناً وشمالاً، عن موجة جفاف احتلت إنتاج ما يقارب مليوني هكتار من الأراضي الزراعية في الريف السوري، وعلى الأخص في المنطقة الشمالية الشرقية (سلة الغذاء السورية).! وانعدم الغطاء النباتي في البادية التي تشكل (55%) من مساحة سورية وفيها (80%) من الثروة الحيوانية، و حرمان نحو(1.3) مليون مواطن من موارد رزقهم، وطرد ما قد يصل هذا العام إلى (50) ألف عائله من أراضيهم، وكل ذلك مقابل مبلغ (20) مليون دولار، أي بما لا يتجاوز مليار ليرة سورية لاغير، وجهنا نداء عالمياً للحصول عليها، فيما كان يمكن أن تحصل عليها الخزينة العامة للدولة بسهولة لولا حرمانها من تحصيل الإيرادات الضريبية الحقيقية، التي وهبت إلى مالك إحدى شركات الخليوي في البلاد! ومع ذلك، وزيادة في التعبير عن حرص السلطة السياسية في البلاد على الأمن الغذائي لمواطني هذه المناطق فقد تم إصدار المرسوم رقم (49) لعام (2008) المتعلق بالأراضي الحدودية.
خوفي من أن حالة الطوارئ والأحكام العرفية، المفروضة في البلاد منذ العام (1963)، والتي حصدت من الأعمار والأحلام ما يتطلب من السوريين سنيناً للشفاء منها، هي السبب الرئيس في وجود كل هذه المخاوف. ومع ذلك، لا يجد وزير الداخلية، بتوجيهات حكيمة طبعاً، حرجاً من استثمارها بوصفها المشروع الإنمائي، والانجاز الأكبر للسلطة السياسية في البلاد. متجاهلاً عن سبق إصرار وتصميم الإشارة في قراره إلى المطلوب الأول للعدالة، والذي ظل صامداً وممانعاً خلال هذه الحملة وهو… الفساد، والذي سيظل ينتج مطلوبين جدد للعدالة، ويحمي مطلوبين آخرين إلى أبد الآبدين…
وأخيراً، خوفي من أن مواطناً آخر سيكتب ذات المقال… بعد طول سنين!
“النداء”







