“زنزانة 80” نص مسرحي كتبته ناتاشا انطونيللو أشقر وصدر عن “منشورات انطوان” في بيروت وهو الثاني لها بعد “كورنيش، هارلي وخدعة” عن “دار النهار”. وإذا انطونيللو معروفة في بيروت بتاريخها الحافل كراقصة سابقة متميزة في فرقة كركلا ومن ثم ممثلة مسرح في عدد من الأعمال الى جانب انتماءات خاصة بها كجذورها اللبنانية ـ اليونانية المختلطة ومن سكان بيروت (التباريس) ومن جيل الحرب، فهي كل هذا في اطار الشخصية الرئيسية أو بطلتها في “زنزانة 80” التي وضعتها في موقع دقيق وحساس وفي مواجهة مباشرة وحالية لحرب الأمس عبر فعل التذكر الذي يحصل عبر التلفون مع “رجل” يبدأ في دور الحبيب السابق ويتحول شيئاً فشيئاً نحو ادوار أخرى تزداد سلبية من اكتشاف الاثنين لاستحالة العودة الى مشاعر سابقة وصولاً الى التأكد من سوء نية الرجل الذي يظهر بالتدرج على حقيقته “الميليشاوية” السابقة لتصب العلاقة في خانة “تصفية الآخر” وتصل الى موت الرجل حين يصل مع النص ومع البطلة ـ المرأة الى حائط مسدود أو هنا في النص “حائط ناقص” على الشرفة يجعله يهوي ويموت على غرار “المواطنين” أو “غير المواطنين” الذين عمل على تصفيتهم أثناء الحرب.
نص مفتوح على جدل واسع حول شؤون الحرب والحياة اليومية الخاص اثناء الحرب، واذا انطونيللو كتبته باللغة الفرنسية فهو حاضر معها بكل مفرداته العربية وأيضاً باللهجة اللبنانية “الفجة” من واقعية الحروب والمعارك والقتل والدمار والخراب.
خراب
انه الخراب، خراب المدينة وخراب العيش اليومي المقرون بالدم والموت. وتركز الكاتبة على “جيل الثمانينات” الذي تذكر انها تنتمي اليه بمعنى أو بشرح يصف هذا الجيل على أنه “الجيل الذي فقد لذة سن العشرين لعام أهوال ووقائع الحرب الطويلة وتصف بطلتها وعمرها حوالي “الأربعين ونيف”.. على أنها من اللواتي تعمدن بمعمودية الحرب والموت.
وأمام واقع النص الذي يبدأ كما ينتهي في حوار تلفوني بين امرأة ورجل يتساءل القارئ حول هدف الكاتبة وقد يستمر في القراءة ليعرف الى أين تريد ان تصل في هذا “الهذيان” الكلامي الذي يطول حيناً أو يتكرر ثم يسقط في تراجع البطلين أمام واقع الحالي او الحاضر الذي يبدو انه مرتبط وثيقاً بالماضي على رغم مرور سنوات طويلة.
البطلة كاتبة مسرح وترصد اعترافات صديقها القديم عبر الهاتف لتنهي مخطوطها وسرعان ما تكتشف انه يحاول ان يسرق منها فكرة النص وكل تفاصيله، فحبه وهم وماضيه وهم وسرعان ما تعترف له انها على علم بسرقة لأفكارها تماماً كما فعل قبل سنوات حين سرق مخطوطها الأول ونشره وعرف الشهرة من خلاله وهي بقيت مع أحلامها حيثما هي.
وكل الاتهامات التي توجهها انطونيللو او الكاتبة الى الرجل منذ الصفحات الأولى من “زنزانة 80” هي إدانة غير مباشرة لكل الذين قاتلوا ومارسوا القتل خلال الحرب، فتسميه “بالميليشياوي” وتعود عبر الذكريات الى مشهديات دامية تضج بالأحمر وكأن زهرة “الأوركيدي” الليلكية التي تحملها البطلة في صورة غلاف الكتاب ليست سوى الرمز المعاكس لمضمون النص الدموي. كما تكتب انطونيللو بجرأة عن الجنس والعلاقات الموتورة والمريضة في خضم الحروب: فليس الحب حباً وليس جنس تلك اللعبة المرصودة على لذة الحواس والجسد انما هي موت آخر، فحين الرصاصات والتفجيرات تقتل الجسد، الجنس يغتال الروح ولا يبقى من العلاقات سوى ظلالها الواهية والموجعة. وفي كل هذا، تتفلت اللغة مع انطونيللو وحين هي تصور هذا الهيجان الوحشي للمشاعر الانسانية في ظل الظروف تقول بحرية وجرأة كل ما يخطر في بالها وتكتب كالنهر الجارف للجميل والقبيح. وصحيح ان هذا النوع من الكتابة ويتسم بالجرأة في التعبير هو صعب في إطار كيفية توظيف هذا “الهذيان” الكلامي الأباحي بمجمله في مكانه الصحيح، وهنا يتفلت في مقاطع كثيرة مع الكاتبة فتبدو في بعض الصفحات الطويلة على هامش اللعبة الأساسية فيصيب الكلام الإباحي والجنسي حيث لم يكن جميلاً ومقنعاً ان يصيب. وقد يسأل القارئ: هل ان النص الجريء صار موضة أو سبيلاً ضرورياً للوصول الى القارئ؟ أم انه يجعل النص يدخل في الاتجاه المعاكس والخطر والذي قد يجعله يفقد قيمته الأدبية؟ وتبدو أنطونيللو في وسط هذا الواقع وعلى شفير الهاوية: ففي “الجنون” الكتابي الجميل الذي أرادته للتعبير عن واقع الحرب اللبنانية التي كانت أقوى وأقسى من كل هذا، ينحدر النص معها في ضياع مؤقت أحياناً ثم لا تلبث ان تنتفض. وإذا الجنس القاتل والجنس المحرض على الجريمة والجنس المحسوب على أجساد تتعذب، تغترب عن ذاتها وتموت أحياناً فهو ليس هنا في النص آمن من وقوعه في فخ الابتذال والسهولة. ومع هذا، قد ترفض تفضيلاً من “زنزانة 80″، قد تنتفض على واقعه، قد تتأثر بنفسك من النص عبر تحولك عنه مراراً وتكراراً وقد تعتبره اسير فخ هنا أو منفتحاً مخرباً ثائراً هناك ومع كل هذا لا يمكن ان تخفي تأثرك به كواحد من ثرثرات ما بعد الحرب التي هي تقول كلاماً كثيراً تعثر في طياتها على شيء من الحقيقة وعلى شيء من التعبير الجميل والمؤثر.
“المستقبل”




















