انتهت المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية بالموت السريري. بدأت بلا أفق، واستمرت بلا معنى، وانتهت لأنها كانت مجرد سراب.
الكرة الآن في الملعب الفلسطيني، اسرائيل اوضحت انها ستتابع حرب الاستيطان، وهي اكثر حروبها وحشية، والسؤال هو ماذا سيكون الرد، وسط الشللين الفلسطينيين، شلل رام الله بوهم المفاوضات، وشلل غزة بوهم مقاومة لا تقاوم، او تخلت عن المقاومة لحظة ان استتبت لها السلطة
تعالوا نبتعد قليلا عن السياسة كي نتأمل في الاحوال اليوم بعد حريق الكرمل، الذي لم يكشف فقط ضعف اسرائيل وعجزها عن مواجهة الحرائق- وهو بالمناسبة ضعف تشترك فيه جميع دول المنطقة، لكن الفرق ان الصهاينة زرعوا ملايين الأشجار في فلسطين، مما يعرضهم اكثر للحرائق، مع التغير المناخي الزاحف- لكنه كشف ايضاً عن سذاجة العقول، التي بدأت تسود في المنطقة.
حاخامات اسرائيل مشغولون باصدار الفتاوى بمنع تأجير البيوت للعرب الفلسطينيين خلف الخط الأخضر، ومع ذلك وجد بعض الحاخامات متسعاً من الوقت لاصدار الفتاوى الدينية التي تفسّر الحريق. وكان على رأس هؤلاء عافوديا يوسف، الزعيم الديني لحركة شاس، وهو رجل تميّز دائما بتصريحاته العنصرية ضد الفلسطينيين.
فسّر عافوديا يوسف الأمر على انه عقاب الهي لأن اليهود يقومون بتدنيس حرمة يوم السبت.
اما دوف ليؤور حاخام مستوطنة كريات اربع في الخليل، فقد عزا الحريق الى الانسحاب الاسرائيلي من غزة.
وفي النهاية شرح الحاخام باروخ افراتي ان سبب الحريق هو الوضع الأخلاقي لأن الاسرائيليين غير مستقيمين بشكل كافٍ.
عندما قرأت هذه التصريحات شعرت بأن الحاخامات اثبتوا ان المشكلة ليست عندنا فقط، وان تصريح السيد اسماعيل هنية بأن الله عزّ وجلّ عاقب اسرائيل بسبب عدوانها على غزة، ليس نسيج وحده، بل يتصادى مع عقلية مشابهة بدأت تسود في المجتمع الاسرائيلي. هناك جاء العقاب بسبب السبت والاخلاق والانسحاب من غزة، وهنا جاء بسبب العدوان على غزة. اسباب متناقضة كأنها تلتقي عند نتيجة واحدة، هي رفض محاسبة التقصير، لأن قرارات الله لا تردّ، وبذا تنتفي المسؤولية عن الاعمال او الاهمال، ويصير الجميع ادوات، وان متناقضة، في يد القدرة الالهية!
لكن السيد هنية لم يفسّر لنا لماذا تم احراق قبر الشيخ عزالدين القسّام في قرية الشيخ؟ وهو حريق متعمّد، لم ينجم عن اهمال او عن شرب النارجيلة، قام به متطرفون صهاينة، رداً على حريق الكرمل؟
الحاخام عافوديا يوسف كان يغطي تقصير وزير الداخلية الاسرائيلي ايلي يشاي، الزعيم السياسي لحركة شاس عن التقصير، اما رئيس حكومة غزة فإني والله حائر في تفسير خطابه، ولا استطيع ان افهم له اي سبب منطقي.
صحيح ان حريق الكرمل اضر بالدولة العبرية، لكن لا بد ان السيد هنية يعرف ان الجليل هو المعقل الفلسطيني الأخير، الى جانب المثلث في اسرائيل، وكان خوف الجميع هو ان يمتد الحريق الى عسفيا وشفا عمرو والناصرة، وغيرها مما تبقى لنا هناك، لذا فإن لغة السيد هنية، على ما فيها من غيبيات، لا تفيد القضية التي باسمها يحكم غزة، الا وهي الدفاع عن الشعب الفلسطيني وعن حقوقه.
ولكن بعيدا عن الغيبيات وكلامها المضجر، فان ما استوقف المراقبين امتداد الحريق الى قرية عين حوض، التي اطلقت عليها قناة ‘سي. ان. ان.’ لقب قرية الفنانين الاسرائيليين، وذهبت كاميراتها الى داخل البيوت الجميلة، التي التهمتها النيران.
والحقيقة ان مشهد الحريق في عين حوض يثير الأسى، لكن الاعلام الغربي، نسي او تناسى عن عمد، حكاية هذه القرية الفلسطينية التي طرد سكانها الى جنين عام 1948، اما الذي قرر من اهلها البقاء، فقد طرد من بيته وسكن في حقول قريته. هكذا تأسست قرية غير معترف بها في اسرائيل اسمها عين حوض الجديدة، اضطر اهلها للعمل كمياومين في عملية اصلاح بيوتهم، التي صارت بفضل مهندس روماني يدعى يانكو، بيوتا للفنانين الاسرائيليين!
اصحاب البيوت يقيمون في العراء، ويعملون نجارين وحدادين وبنائين في بيوتهم التي ما عادت لهم، لأن الخواجات من الفنانين الاسرائيليين استولوا عليها بقرار حكومي، وفي ظل قانون املاك الغائبين. ولأن سكان عين حوض لم يكونوا غائبين فقد جرى تغييبهم بالقوة.
عجيب امر جريمة الصمت المتمادية التي تغطي جرائم التهجير والقتل. حتى وسط مأساة الحرائق الهائلة التي ضربت الكرمل، لم ينس الاسرائيليون والامريكيون التشديد على نسياناتهم، لذا لم يكتف الاعلام بالتركيز على عين حوض المسروقة من اهلها، لكنه تجاهل آثار الحريق في عين حوض الجديدة الفلسطينية.
اعتقد ان هذا هو الدرس الكبير من الحريق. حتى في المأساة ووسط الرماد يصرّ القاتل على اخراس الضحية، وتجاهل الظلم الذي ارتكب في حقها.
بدلا من الكلام عن عقاب الهي، تعالوا نرى العقاب الذي يستمر القاتل في فرضه على الضحية، ولنتأمل في دلالات حريق الذاكرة، التي ظهرت من خلف دخان حريق الكرمل.
تذكرت قصة ا.ب. يهوشع، ‘ازاء الغابات’، التي كتبت عام 1963، واكتشفت ان الأدب الحقيقي، مهما كانت الانتماءات الايديولوجية للكاتب، يصل الى جوهر السؤال. فتحت الغابة التي احترقت في قصة يهوشع ظهرت القرية الفلسطينية المدمرة.
تعالوا نتأمل الفرق الشاسع بين الأدب والاعلام، في القصة نعثر على القرية المدمرة تحت الرماد، اما في الواقع الذي تتحكّم به الآلة الاعلامية الصهيونية- الامريكية، فان القرية الظاهرة يُمحى اسمها، ويُلغى تاريخها، وتُطمر مأساتها.




















