قال قائد شعبة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي اللواء آفي زامير أخيراً، في سياق تقريره السنوي بشأن معطيات التجنيد لعام 2010، إن نصف الشبان في إسرائيل لا ينخرطون في الخدمة العسكرية، الأمر الذي يجب أن يشعل ضوءا أحمر.
وأشار إلى أن نسبة الشبان اليهود المتزمتين دينيا (حريديم) غير المجندين الذين يصرحون أن “توراتهم حرفتهم”، أي أنهم يقضون جلّ أوقاتهم في دراسة التوراة، هي في ازدياد مطرّد وأن هذا التوجه لن يتوقف في الفترة القريبة. ونوّه بأنه خلال الأعوام الثمانية الأخيرة سجل ارتفاع بنسبة 8 بالمئة بين الشبان الحريديم الذين صرحوا بأنهم لن يتجندوا، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 14 بالمئة من مجمل السكان اليهود في غضون الأعوام الثلاثة المقبلة. أمّا نسبة الشابات اللاتي لا يتجندن لأسباب دينية فقد ارتفعت بـ 16 بالمئة، وبلغت 35 بالمئة في عام 2010. لكنه أشار إلى أن نسبة غير المجندين بسبب إعفاء طبي أو عدم ملاءمتهم للخدمة العسكرية أو إقامتهم خارج البلد أصبحت مستقرة في العقد الأخير.
وعقّب زامير على هذه المعطيات بالقول “إنني خائف وقلق، وعلينا أن نرى ما الذي سنفعله إزاء وضع التجنيد الحالي، وإزاء مترتباته على صيرورة جيش الشعب”.
وتنطوي هذه الصيرورة على مبدأ حديدي اتبعته إسرائيل منذ قيامها في 1948 فحواه أن “الشعب كله جيش”، وبناء عليه فإنه يتعين قانونياً على جميع مواطني إسرائيل، باستثناء العرب وعدد محدد من طلبة المدارس الدينية وغيرهم، الالتحاق بالخدمة العسكرية النظامية، ومواصلة الخدمة في الاحتياط بعد تسريحهم.
وهذا التوجه حقق نجاحاً خلال العقود الأولى لقيام الدولة، فالصورة المألوفة للجيش كتجسيد للنموذج الإسرائيلي وجهت أجيالاً من المهاجرين نحو تعلم اللغة العبرية والاندماج في المجتمع الإسرائيلي من خلال خدمتهم العسكرية. بيد أن تآكلا كبيراً طرأ خلال العقدين الأخيرين على الأسس الأيديولوجية التي يستند إليها مبدأ “جيش الشعب”، كما طرأ في الوقت ذاته تراجع كبير على استعداد وجهوزية الكثير من الإسرائيليين للخدمة في الجيش.
ويشير محللون كثيرون إلى وجود هبوط متزايد في محفزات الخدمة في الجيش، وهي ظاهرة لا تنبع فقط من اعتبارات أيديولوجية وإنما أيضاً من الإحباط المتزايد لدى الجنود، ولا سيما الذين يؤدون خدمة الاحتياط، وذلك في ضوء هدر طاقات وضعف نجاعة المؤسسة العسكرية. كما أن الإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية (النظامية) صار منتشراً الآن أكثر من أي وقت مضى: أقل من ستين في المئة من كل دورة تجنيد محتملة يكملون خدمة عسكرية كاملة، أما خدمة الاحتياط فلا يلتحق بها بصورة دائمة سوى 12 بالمئة من مجموع المكلفين (الملزمين) بالتجنيد.
بناء على ذلك فإن الجيش الإسرائيلي اضطر إلى تقليص ألوية كاملة من سلاحي المدرعات والمدفعية، وأخذ يبدو أن نظرية “جيش الشعب” لم تعد ملائمة للواقع الإسرائيلي. وإزاء هذا الوضع الجديد اقترح بعض الخبراء اعتماد توجه مختلف في ما يتعلق بدور الجيش الإسرائيلي ووظائفه. وعلى سبيل المثال فإن الصحافي وضابط الاحتياط المظلي عوفـر شيلح دعا في كتابه “الطبق والفضة” إلى وجوب الكف عن التظاهر بأن الجيش الإسرائيلي لا يزال “جيش الشعب”، والعمل عوضاً عن ذلك على إقامة جيش مهني، خالٍ أو مجرّد من الأيديولوجيا، و”متحرّر من عقلية أوشفيتز”، على حد تعبيره.
وبالروحية نفسها اقترحت أيضاً مجموعة من علماء الاجتماع في جامعة “بن- غوريون” في بئر السبع إعادة بناء الجيش على أساس موديلات (نماذج) شركات الحراسة العاملة في المراكز التجارية والمطاعم. ويقول هؤلاء الباحثون إن هذه الشركات قادرة على أداء عملها بنجاعة أكبر من جيش تديره الدولة. أما عمانوئيل ماركس، وهو عالم اجتماع مرموق في جامعة تل أبيب، فقد ذهب شوطاً أبعد بدعوته إلى إلغاء واجب الخدمة العسكرية إلغاء تاماً.
لكن هذه الاقتراحات كلها ما زالت تُجابه بالرفض من جانب المؤسسة العسكرية التي تؤكد، رداً عليها، أن ما ينبغي فعله هو استنهاض الوعي مجدداً بشأن الحيوية الأمنية والاجتماعية والقيمية لمبدأ “جيش الشعب”، وتدعي أن أبحاثاً ودراسات عديدة أثبتت أن التربية على القيم الصهيونية تساهم كثيراً في تعزيز الاستعداد والرغبة في الخدمة في الجيش والاحتياط، وعليه فإن الحل لمشكلة هبوط وتراجع المحفز لا يكمن في إلغاء الخدمة العسكرية، وإنما في إحياء الروح الصهيونية التي أنبتت في الأصل هذا المحفز.
“النهار”




















