لا يعني تخلي الولايات المتحدة عن دورها كوسيط في موضوع تجميد الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أن هذا الموضوع قد تراجع في سلم الاهتمامات الفلسطينية والعربية والدولية، بل إن الاستيطان الذي يشكل العقبة الكبرى، وربما الوحيدة أمام السلام العادل، هو المسألة التي يجب التوصل إلى إجراءات فعالة ليس فقط لتجميده، وإنما أيضا لتصفية هذه الظاهرة الاحتلالية البغيضة، والانسحاب من كافة الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧، خالية من الاحتلالين الاستيطاني والعسكري- وفقا لما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية.
ومن المؤكد أن اسرائيل لن تتمكن من الفوز بالسلام مع الاحتفاظ بالمستوطنات في آن واحد. وقد أدرك هذه الحقيقة الكثيرين داخل اسرائيل ذاتها. لكن الأصوات التي توصف بالمعتدلة في اسرائيل، وما يسمى بمعسكر السلام، ضائعة وسط ضجيج اليمين المتطرف، الذي لا يقيم وزنا للسلام، ولا يعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ومن يراقب المشهد السياسي الاسرائيلي بشكل عام، يخيل إليه أن المجتمع الاسرائيلي قد تحول بمجموعه نحو اليمين، ولم يعد ذلك المجتمع الذي يرغب في تسوية مقبولة على الفلسطينيين تتوفر فيها مقومات البقاء والاستمرارية والعدالة، والانسجام مع روح العصر التي تعطي الأولوية لحقوق الشعوب في الحرية والسيادة وتقرير المصير.
وليس أدل على الخطورة التي يوليها الفلسطينيون لظاهرة الاستيطان، من أنها كانت في صلب المفاوضات غير المباشرة أولا، ثم تلك المباشرة التي جرت لمدة ثلاثة أسابيع في شهر أيلول الماضي. كما أن هذه المسألة كانت السبب وراء توقف هذه المفاوضات، بعد أن رفض رئيس الحكومة الاسرائيلية تجميد الاستيطان المؤقت والجزئي للاستيطان. وكان موضوع الاستيطان محور المحادثات التي أجراها الرئيس محمود عباس في القاهرة مع المسؤولين المصريين ومع وزراء الخارجية العرب في القارة قبل يومين، وتمخضت عن توجه للذهاب إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ليقول كلمته الواضحة، والصريحة، بخصوص الاستيطان من ناحية وفي ما يتعلق بالدولة الفلسطينية التي ستقام في حدود العام ١٩٦٧، من الناحية الأخرى.
ولا يكفي أن يعلن المجتمع الدولي عن لا شرعية الاستيطان، أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية فقط من غير خطوات فعالة لتغيير الوضع الاستيطاني على الأرض. وهناك الكثير من الإجراءات الحازمة التي يستطيع العالم القيام بها، وهذه الإجراءات هي وحدها التي ستضطر اسرائيل معها للتعام-ل مع الحقوق الوطنية الفلسطينية بطريقة عقلانية وحضارية. فإسرائيل المقامة على ٧٨٪ من أرض فلسطين التاريخية- وهذه نسبة تتجاوز بكثير التناسب العددي بين الفلسطينيين واليهود، وتفوق ما حدده قرار التقسيم للدولة اليهودية- ليس لها الحق في ملاحقة الدولة الفلسطينية التي ستقام على ٢٢٪ فقط من فلسطين التاريخية، لتحتل استيطانيا المزيد والمزيد من الأرضي الفلسطينية، خلافا لقرارات الشرعية الدولية واستحقاقات السلام.
ومن الواضح أن استهانة اسرائيل بإرادة الأسرة الدولية، واستخفافها حتى بجهود حليفتها الاستراتيجية، الولايات المتحدة، هي التي دفعت بها، وما تزال، للتهرب من السلام العادل، والإصرار على الاستيطان. وهذا يتطلب إجراءات قادرة على تغيير هذا التوجه الاسرائيلي الخطر. والكرة الآن توشك أن تصل ملعب المجتمع الدولي، فهل يقوم بدوره في احتواء العقبة الكبرى في طريق السلام، أم يواصل تسامحه معها، وسكوته عليها، وهو النهج الذي اتبعه حتى الآن؟
القدس




















