ليست قرية وليست دولة !! تعيش حياة العصور الوسطى فحسب بل هي المجمع العربي , إذ ضمت أحياء العبيد والمحرومين , وأحياء الفقراء , والبائسين إلى جانب القصور التي يملكها ملاك الأرض الكبار ورجال السلطة والتجار . عالمان نقيضان أحدهما مقهور محبط, والأخر متسلط فاسد لذا فواقع غزة هنا رمزي يعالج الحياة العربية بعامة… وكما قال الشاعر:
” ثمة سلالات .. ما إن تتنفس هواء المستقبل.. حتى يجيء الذين يرمونها .. في مستنقعات الحروب ” ..
غزة- هي قصة الإنسان الفلسطيني كجماعة في مرحلة زمنية تميزت بقسوتها , بصراعاتها , بأحلامها وخيباتها , والحقيقة أن هذا التجوال الذي نأخذك إلية يخلف تعبا في المحصلة ذهنيا وان كان يشوقك بما سيريك في كل موقع وموقع . محاولة مني للخروج من حصارات من كل نوع , حصار الجوع , حصار القهر والقمع , الذي يتناغم مع الأول ليصبح أكثر وقائع أقرب إلى الكارثة . هذه الكارثة تذكرنا بقسوة الوقائع التي تعنيها الحياة في غزة , والتي تتضاعف وانأ اكتب هذه الكلمات . فالصدق هنا مطلوب حتى لوصدر بعد طول انتظار طويل .
وكما قال الشاعر:
” لا أخذ بيتي إلى البلاد .. الهواء يحمله عني .. بيتي البلاد على أقدامها تسير.. في كل الأرض .. أنها مواقد النار التي أكلت الأحلام وشوهت الملامح.. وغيرت النفوس .. “
في غزة- تتسرب الأصوات هنا وهناك في الطرقات في كل مكان تملا الليالي بالثقل المبهم, فأنا استلقي على فراشي ومن بعيد تأخذ دقات قلبي مثل الطبل تضع الإيقاع كأنها دقات قلب عنيدة.. ذقنا أقسى أنواع المذلة والهوان والتشرد , ولابد أن اعنف ماكان في هذه الفترة , مثله في ذلك كل اللاجئين من حولنا , هو فقدان الوطن وضياعه وأنت داخل الوطن !! السنوات ظلت تمر الواحدة بعد الأخرى, بينما ظل الأفق فقيرا فارغا من بصيص أي أمل. ولا بد أن هذا الإحساس الذي نعانيه هو ضياع الوطن وفقدانه, الناس ضاعت, يهيمون على وجوهم بحثا عن الحياة عن لقمة العيش يصارعون من اجل البقاء ولكن أين !؟ فقدت جنة طفولتي , هذا الجرح ظل يزداد اتساعا يوما بعد يوم يرفعني إلى مزيد من اليأس والتشاؤم .. وفي الأخير يتراكم الدم والدمع !!
في غزة- قهوتي مازالت تبرد شيئا فشيئا ومازلت اقبع وحيدا في غرفتي يخيم معي الإحساس بالفراغ , والراحة لم تصل بعد ولكني أريد أن أنظف رأسي من بقايا الموعظة الحسنة والكلمات الطيبة .. وقلبي من خطاب الحب الأول وشظايا الزجاج .. وعيني من شبابيك السجون والأبواب الموصدة .. وصوتي من أكسيد الأدعية والنداءات المفقودة .. إنني اكتب لأكتب.. هيئتي التي كانت تخيف أيما كائن ولا تخيف أي شيء.. أصبحت ألان تخيفني وتخيف طفلي.. تخيف مرايا غرفتي .. تخيف دفاتر ذكرياتي .. تخيف قمصاني المطرزة .. أزهار شقتي .. وكذلك أصبحت هيئتي تخيف الأخر ….
هل لنا أن ننسى ؟
في غزة- صمت لا نتكلم , اغلب مافيها خلاف مع الدنيا خلاف مع الاقراباء مع الأعمام وأبناء الأعمام ومع الجيران وأبناء الجيران , ومع الكلاب في الشارع وأبناء الكلاب , كلنا كلما حاولنا أن نكون صادقين مع الآخرين , يفسر صدقنا على أنة ضعف , فتحتار ماذا تفعل , ونلجأ في النهاية إلى كتابة المقالات , كحل أخير ولكن ليس الوحيد , والحل الوحيد المطروح في غزة دائما إما أن تهرب , فتؤكد بذلك ضعفك حسب رؤية الآخرين وإما أن تقف , وليكن بعد ذلك مايكون .. انتهى .
سلامتكم ,,
فلسطين – قطاع غزة
Jalal5@live.com










