الجزائر 09 / 01 / 2009
أخيرا وبعد ثلاثة عشر يوما يتمخض جبل مجلس الأمن عن فأر القرار 1860 للوقف الفوري لإطلاق النار على غزة ، حيث كان المدنيون وقود العدوان الإسرائيلي الدائر منذ 27 ديسمبر الماضي ، وقد راح ضحية هذا العدوان الغاشم نحو 800 شهيد وأكثر من ثلاثة آلاف و800 جريح يشكل الأطفال أكثر من 30% من ضحايا العدوان .
إسرائيل وكعادتها مع القرارات الأممية رفضت تنفيذ قرار مجلس الأمن ، واعتبرت وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفي أن " إسرائيل تدافع عن مصالحها فقط " ، وذكر راديو إسرائيل أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية " قرر مواصلة عملية جيش الدفاع في قطاع غزة رغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي الذي دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار" . وجاء في بيان صدر في ختام جلسة المجلس الوزاري أعقاب صدور قرار مجلس الأمن " إن من حق إسرائيل الكامل الدفاع عن مواطنيها فلذلك سيواصل جيش الدفاع العمل من أجل تحقيق أهداف العملية العسكرية ومنها تغيير الوضع الأمني في جنوب البلاد ومنع عمليات تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة ، وأكد المجلس الوزاري المصغر إن العملية العسكرية ستستمر لمنع عمليات تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة " .
هذا ومن جهتها الولايات المتحدة تمتنع عن التصويت على قرار مجلس الأمن ، كما أنها لم تستخدم حق الفيتو ربما كي لا تتهم بأنها ضد قرار لوقف العدوان ضد المدنيين في غزة ، لكنها ترفض الضغط على إسرائيل لتنفيذ قرار مجلس الأمن بحجة " حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها " .
وبدأت تظهر أصوات داخل إسرائيل تعارض الحكومة الإسرائيلية ، فقد اعتبرت حركة ميرتس قرار المجلس الوزاري المصغر القاضي بمواصلة العملية العسكرية في غزة " يخالف المصلحة الإسرائيلية ، ويدل على عدم وجود إستراتيجية لإنهاء العملية " وتضيف حركة ميرتس في بيان لها " أن قرار الحكومة قد يؤدي إلى وقوع خسائر أخرى في الجانب الإسرائيلي ، وإصابة أبرياء وفقدان الدعم الدولي الذي كانت تتمتع به إسرائيل ، ودعت الحكومة إلى العمل من أجل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ، من شأنه أن يضمن سلامة جنوب البلاد .
المقاومة الفلسطينية تدرك جيدا عدم التزام إسرائيل بأي قرار دولي ، وأيضا تدرك ضآلة الموقف العربي الذي يذهب معظمه بما فيهم أطراف فلسطينية لتصفية حماس رأس حربة المقاومة الفلسطينية ، لذا اعتبرت قرار مجلس الأمن غير معنية به .
وهكذا بقي المدنيون في غزة تحت نار الجيش الإسرائيلي يقاومون بصدور عارية لأجل حقهم في الحياة بكرامة على أرضهم .
فما هي التداعيات المحتملة في ظل " تياسة " الموقف الإسرائيلي وضعف الموقف العربي ؟
إسرائيل التي شنت حربها على غزة في 27 ديسمبر الماضي ولا زالت مستمرة كانت في جعبتها حزمة أهداف ، منها :
أولا – القضاء على حماس ، أو على الأقل قتل قادتها " تأديب حماس " ، وثانيا تدمير البنية التحتية للمقاومة ، وثالثا تغيير الواقع الأمني والسياسي في غزة لصالح المناهضين لحماس من أشقائها الفلسطينيين ، ورابعا تأليب العرب على حماس كعدو ضد " السلام " وأهداف أخرى العدوان ورقة انتخابية تدفع الناخب الإسرائيلي بالتصويت لحزب أولمرت وتقطيع أوصال الوحدة الوطنية الفلسطينية .
ما حصل على أرض الواقع أن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق ، وجاءت النتائج عكس التوقعات تماما . فحماس كسبت سياسيا ، ووقف الرأي العام مع خيار المقاومة وحق الفلسطيني بالدفاع عن حقوقه المشروعة ، عبرت عنها الصرخة الدولية في المظاهرات عبر العالم .
بينما الموقف العربي انقسم كعادته دوما بين مؤيد ومعارض ومناهض لحماس ، حتى نقل الرئيس الفرنسي ساركوزي عن الرئيس المصري مبارك دون أن يصدر تكذيب رسمي " لا يجب أن تخرج حماس منتصرة من هذه الحرب " ، وذهب التحليل العربي لما يجري في غزة من مذابح أن إيران القوة الإقليمية في المنطقة وراء ما جرى للفلسطينيين ، وكأن مقاومة المحتل تحتاج لإذن مسبق من هذا الطرف أو ذاك .
فخابت آمال المطبلين للتطبيع وصمدت المقاومة في وجه أكبر ترسانة حربية في الشرق الأوسط ، أجل صمدت أضعاف ما صمدت الجيوش العربية في حرب 1967، وكبدت إسرائيل خسائر بشرية ومادية رغم صواريخها المتواضعة ، صحيح الخسائر ليست متوازنة بما لحق بغزة من خسائر بشرية وخراب ودمار لكنها كبيرة على إسرائيل ، أن يقتل ضباط وجنود على دباباتهم .
وصمود المقاومة كان بفضل صمود أهل غزة ، وقد دفعوا فلذة أكبادهم دفاعا عن وجودهم ، دفاعا عن حقهم في الحياة الذي تمنعه إسرائيل عنهم ، وهو ما أدركه العقلاء في إسرائيل وحذروا من مخاطر المغالاة ، لأن الغلو يدفع إلى التطرف الذي لا يترك مساحة للحوار والتفاوض مستقبلا .
إسرائيل وفي عدوانها على غزة أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أنها تسعى بكل قوة لتضييق مساحة التفاوض، فهي لا تقاتل لتضعف الخصم وبعدها تتفاوض معه ، بل تبيد خصمها وتعمل لتستأصله تماما ، فمن الطبيعي أن تكون ردة الفعل عنيفة ، على الأقل بحجم العنف الإسرائيلي ، وبالتالي ما دعا إليه قرار مجلس الأمن 1860 لتحقيق السلام " يدعو إلى بذل جهود فورية للتوصل إلى سلام شامل بين إسرائيل والفلسطينيين ، حيث تعيش دولتان ديمقراطيتان إسرائيلية وفلسطينية جنبا إلى جنب بسلام".أصبح هذا السلام بعيدا جدا بعد هذا العدوان على غزة، وأكد العدوان أن لا خيار بديل عن المقاومة التي تفرض شروط التفاوض مع العدو ، بدلا من فرض شروط مذلة على العرب في خيار التطبيع .



















