كم من المؤتمرات التي عقدت حول حوار الأديان؟ وكم هي التوصيات التي صدرت عن تلك المؤتمرات، التي تدعونا إلى المحبة والتآخي والتعاون والوحدة، ومازلنا وسنبقى نعقد فيما بيننا نحن المسلمين والمسيحيين مؤتمرات وحوارات، ندعو فيها بعضنا البعض إلى ما دعت إليه المؤتمرات السابقة. وأي نتيجة يمكن أن نتوقعها من مثل هذه الحوارات في ظل إصرارنا على تربية أطفالنا تربية عمادها التفرقة والتمييز؟ ألسنا نفرق بين أولادنا في مقاعد الدراسة؟ لا زلت أذكر كيف كان يخرج زملائنا المسلمين من القاعة أثناء درس الديانة إلى قاعة أخرى، فماذا نسمى هذا أليس تفرقةً وتمييزاً..؟ فإذا كان الله واحداً لدى معتنقي الديانات السماوية، فلماذا نصرُّ على التفريق بين أبنائنا إذا كنّا جميعاً نتبع هذا الإله الواحد؟ ولماذا نغرس في عقولهم الغضة الطرّية أن هذا مسلم وذاك مسيحي أو يهودي..؟ أليس بالإمكان تفادي ذلك على الأقل في المدارس والجامعات. ؟
لقد نشأنا وتربينا دون إرادة منّا على التمييز والتفرقة، وغرس آباؤنا وأجدادنا تلك التربية عميقاً في عقولنا، ونحن بدورنا نفعل الشيء نفسه مع أولادنا الصغار الذين سيكبرون على هذه التربية ليغرسوها من جديد في أولادهم، وهكذا نُنشئ بأيدينا أجيالاً على التفرقة والتمييز ثم نلقي اللوم على الصهيونية وأمريكا والغرب..
وأي أثر ستتركه دعواتنا إلى المحبة والتعاون، بعد أن غُرسِتْ التفرقة في عقولنا، وغرسناها في عقول أولادنا، وأنشأنا لذلك مدارس دينية ومذهبية وطائفية.؟ أبعد كل ما فعله الكبار فينا وما نفعله اليوم مع صغارنا، هل نتوقع أن يُصغي أولادنا عندما يكبرون إلى ما تدعو إليه مثل تلك المؤتمرات، بعد أن تربوا ونشئوا على عادات وتقاليد تفرق لا توحد، تبعد ولا تقرب ..؟
فإذا كانت غالبية الناس متفقة على أن القرآن والإنجيل من عند الله، فما الذي يمنع من توحيد مقرر التربية الدينية المسيحية والإسلامية في مؤلف واحد يتم التركيز فيه فقط على القيم الروحية والأخلاقية المشتركة بين الديانتين، تلك القيم التي تحض على فعل الخير وتنهى عن الشر، فما أنزل على النبي محمد ومن قبله على السيد المسيح من وصايا وقيم تحرّم السرقة والزنا والقتل وشهادة الزور، وتحض على المحبة والتعاون والتسامح واحترام الأخر. .. نعلمها لأولادنا منذ الصغر ونربيهم عليها حتى يكبروا،وعندها بالتأكيد لن نكون بحاجة إلى مثل تلك المؤتمرات التي مازال كل طرف فيها متمترساً خلف مواقف مسبقة يعتقد أنها الأصح، ولن يكون أولادنا أيضاً بحاجة إلى من يدعوهم عندما يكبرون إلى الحوار والتلاقي.لأنهم يكونوا أساساً قد تربوا على التلاقي والوحدة انطلاقاً من تلك القيم المشتركة والجامعة بين المسلمين والمسيحيين. فالمشكلة ليست في الكتب السماوية المتقاربة في مضمونها، بل المشكلة هي في تلك الاجتهادات والتفسيرات التي تباعد بيننا نحن البشر، والمشكلة الأكبر تتمثل في عدم رغبة البعض بعكس ذلك التقارب في عقول أولادنا ..
ثم لماذا نحرم أنفسنا وأولادنا من التمتع بالحرية التي منحها لنا الله الذي لم يشأ أن نكون له عابدين بالإكراه: ” وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن به فأنا لا أدينه لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم” (يوحنا 12/47) “فإنكم إنما دعيتم للحرية.. فاثبتوا إذاً في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ” (رسالة بولس إلى أهل غلاطية 5/13و1) “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”(الكهف29) ” ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” ( يونس 99). ” :”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” ( البقرة :256 ).
أين نحن اليوم من تلك الأقوال الإلهية التي أسست لحرية الإنسان ليس في مسألة الإيمان وحسب، بل في مسألة الكفر أيضاً, بصفتها حقيقة موضوعية غير خاضعة للمناقشة أو حتى الرفض؟ ويبقى علينا نحن بني البشر، أن نؤمن بهذه الحقيقة الساطعة. وليس لأحد منّا سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن، وسواء كان حاكماً أو محكوماً، أن يحجب هذه الهبة الإلهية العظيمة عن الناس. لا بل يجب أن تبقى مهمتنا الأولى التي يجب أن نتصدى لها نحن البشر بلا إبطاء هي في أن نمنع الكفر من أن يتحول إلى ظلم اجتماعي ومعرفي أو اقتصادي أو سياسي..الخ.
لذلك أعتقد إن الترجمة الحقيقية والصحيحة لما جاءت به الرسالات السماوية وما جاءت به المواثيق والعهود الدولية والفكر والتراث الإنساني عن حرية الإنسان بصفته إنساناً، هو في أن نعيد بناء هذا الإنسان على أساس من الحرية والمعرفة والاحترام،وأن نعيد بناء أوطاننا على أساس مبدأ المواطنة بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو اللون أو أي انتماء سياسي..




















