كنت في الاسبوع الاخير من شهر كانون الأول المنصرم في جولة امتدت من البحر الميت الى العقبة ثم الى وادي رَم فالبتراء فمأدبا الى عمان فشمال الاردن… اي عملياً معظم جهات شرق الاردن الحضرية. المشهد الاجتماعي في الشارع الاردني واضح يجعلك مع “بعض” المبالغة تخرج بانطباع انه لم يعد غير الملكة رانيا لا ترتدي الحجاب على رأسها بين نساء المجتمع الاردني. اشرتُ طبعاً الى المبالغة. لكنها “بعض” وليس كل المبالغة في هذا الوصف لأن “بعض” هنا تعني ان من لا يرتدين الحجاب في الاردن هنّ “قشرة” من الطبقات الوسطى والعليا مع النساء المسيحيات.
لكن للتذكير يكاد يكون المشهد نفسه في شوارع دمشق والقاهرة ومناطق الطريق الجديدة والضاحية الجنوبية وبعض غيرها في بيروت ذات الكثافة المسلمة، ناهيك عن كونه نفسه في طرابلس وصيدا وصور وبعلبك… حتى في قلب شارع الحمراء اصبح حضور المحجبات بارزاً واحياناً كثيفاً. ولا داعي لذكر بغداد طبعاً… اضافة حتى الى جزء من اسطنبول! وكلها بالنسبة لي مشاهدات عمر اقدمها بضعة اشهر واحدثها اقل من اسبوعين.
تكتسح المحافظة الاجتماعية مدننا في العالم المسلم. ولاسيما في العالم العربي. وفي هذا السياق للموجة المحافظة التي تبلغ ذروتها حالياً يمكن تسجيل بعض الملاحظات.
1- الاولى ان هذه الموجة تعبِّر عن اصولية اجتماعية اكيدة تسيطر على مجتمعاتنا. لا يعني الامر – رغم انها تعكس في جزء منها جواً مؤاتياً للاصولية السياسية – انها بالضرورة تعبير عن هذه الاصولية السياسية. فالاغلبية من مجتمع المحجبات، اعني نساء ورجالاً وشباباً، ليست بالضرورة في خانة الحركات الاصولية السياسية المتطرفة وحتماً ليست مع الحركات العنفية. بل هي كأغلبية ضدها. حتى ان اجزاء من هذا المجتمع يمكن له ان يدعم تيارات ليبرالية خصوصاً حين تقدم حركات محافظة هذا الخيار الليبرالي الديموقراطي كما يفعل “حزب العدالة والتنمية” في تركيا مع ان الباحث التركي المرموق سولي اوزيل يعتبر ان “حزب العدالة والتنمية” هو حركة دَمَقْرطة في المجتمع التركي وليس حزباً ديمقراطياً. وقد ينطبق هذا التوصيف اكثر على بعض اجنحة “حركة الاخوان المسلمين” في مصر وليس على اجنحة اخرى او على بعض هذه الحركات “الاخوانية” في بلدان عربية اخرى.
2- إن هذه “الاصولية الاجتماعية” – لا بالضرورة السياسية إلا جزئياً – تخترق كل الطبقات الاجتماعية. فليست او لم تعد كما صورها “علم اجتماع” مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن العشرين على انها اصولية الطبقات الفقيرة بشكل اساسي. فلقد اظهرت التسعينات والعقد المنصرم من القرن الحالي ان البورجوازيات العربية المسلمة بحكم عوامل كثيرة – منها تراكم جيلين من عائدات الثروة النفطية – تنخرط في هذه الموجة الاصولية الاجتماعية. والنقاش لا زال متواصلاً بفعل احداث 11 ايلول 2001 حول حدود اختراق الاصولية السياسية الراديكالية لبعض اعلى الطبقات الاجتماعية الخليجية والعربية، غير انه نقاش – بما فيه الذي قاده “المحافظون الجدد” في النصف الاول من العقد المنصرم – يتعلق بـ”اختراقات” في الطبقات العليا وليس بموجة سائدة. في حين ان النقاش حول الظاهرة الراديكالية ومدى تأييدها يصبح اكثر خطورة واتساعاً عندما يتعلق الأمر بالطبقات الوسطى. وفي هذا المجال لم يكن كل ما قاله “المحافظون الجدد” خطأ… لاسيما حين طرحوا مسألة “مناهج التعليم” في بعض الدول كمصدر لتعزيز دعم الاصولية الراديكالية في المجتمع.
3- اذن نحن بصدد ظاهرة واسعة هي “الاصولية الاجتماعية” التي يمكن ان تستفيد منها “الاصولية الراديكالية” او تستغلها ولكنها لا تمثلها قطعا، فهذه الاصولية الاجتماعية (لدى المسلمين سنّة وشيعة)… هي ذات تعبيرات اجتماعية ومعادية في اغلبيتها للعنف. انها مؤيدة لنمط “اسلمة” أكبر للدولة ولكنها قطعاً مع الاستقرار وبعض نخبها معنية بالحريات وتعزيز الآليات الديموقراطية. اقول “بعض نخبها” لأنه ليس ثابتاً ان بورجوازياتنا والشرائح الاعلى من طبقاتنا الوسطى تحمل (وتريد) مشروعا ديموقراطيا. انها تريد حتما مشروعاً تحديثياً للدولة ولكن ثمة فارق اكيد وعميق – كما اظهرت التجربة – بين المشروع الديموقراطي وبين المشروع التحديثي في وعي البورجوازيات والطبقات الوسطى “العليا” من المجتمع.
4- يوصلنا هذا السياق من التشديد على “الاصولية الاجتماعية” الى الملاحظة التي يُكتب من اجلها هذا المقال وسبق لي ان أشرت اليها في عدد من مقالاتي منذ أكثر من سنتين. وهي أن بعض البلدان العربية، تعاني من ظاهرة ما يمكن تسميته “قمع المجتمعات” لا “قمع الدولة” للأقليات كما للشرائح الليبرالية اجتماعياً داخل الأكثريات المسلمة. ولعل مصر هي البلد الأهم الذي بدأ جزء أساسي من مشاكل اقباطه كما شرائحه الليبرالية اجتماعياً داخل الاكثرية يتولد من ظاهرة “قمع المجتمع” الذي تمارسه الأصولية الاجتماعية. هذا طبعاً لا علاقة له بأي صورة بنمط تفجير الكنائس الذي هو على الارجح حصيلة عمل تنظيمات ارهابية محترفة. انما “قمع المجتمع” ظهر في الاحتقانات والصدامات الطائفية في بعض الاحياء والارياف المصرية… كما على مستويات اعلى في الضغط الايديولوجي على احكام القضاء المصري في مجالات الاحوال الشخصية وغيرها.
(كتب احد قادة حزب اصولي – ونشرنا ذلك لمجرد “العبرة” في “قضايا النهار” امس – مؤيداً لعقوبة “الرجم” ومهاجماً الذين يتجرأون على الاعتراض عليها!؟).
هذا لا يعني عدم تحميل الانظمة السياسية مسؤوليتها، خصوصاً انه في بعض الحالات كانت “الصفقة” غير المعلنة هي قبول النظام السياسي بسلوكيات الاصولية الاجتماعية والثقافية مقابل ابتعاد الحركات الاصولية الاجتماعية عن التحدي السياسي للسلطة.
لكن يبقى الأمر الجوهري في ما نشهد، ان “الاصولية الاجتماعية” سائدة بما تعكسه من حقيقة لا يمكن تجاهلها: ان هذه المجتمعات مساهمة في قمع نفسها واقلياتها!
بهذا المعنى، انهما المسألتان معاً، المسألة السنية والمسألة الشيعية مع فارق الاحجام!
“النهار”




















