ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
عبد الحفيظ الحافظ ” حزب العمال الثوري العربي “
تحية إكبارٍ ومباركة للشعب التونسي الشقيق بحريته .
تحرك الشعب التونسي الشقيق منذ شهرٍ للخلاص من النظام الديكتاتوري ، الذي أناخ على صدره ثلاثةً وعشرين عاماً ، مقدماً هذا الشعب الأبي عشرات الشهداء ومئات الجرحى والمعتقلين ، وقد تكللت جهوده بطرد رئيسه زين العابدين بن علي .
نعتقد أن عناصر عديدة انجدلت فيما بينها ، فساهمت بإنجاز التغيير الديمقراطي في تونس خلال شهرٍ وبأقل الخسائر الممكنة .
كان نظام زين العابدين نظاماً ديكتاتورياً ، لكنه لم يكن نظاماً شمولياً ، وهذا لا يقلل من قيمة ما أُنجز في تونس ، ولا يضع العصي في عجلات التغيير الديمقراطي في الدول العربية الأخرى ، فهذا الرئيس المخلوع لم يستطع الإمساك برقاب تعبيرات المجتمع المدني من اتحاداتٍ ونقاباتٍ وجمعياتٍ أهلية ، وعجز عن تفريغها من محتواها المستقل ، وأبت أن تُجندَ كقوى احتياطية لسلطته ولعائلته الفاسدة والنهابة ، ولا لأجهزته الأمنية .
لقد أعاق الدستور التونسي ” العلماني ” الانتقال إلى نظامٍ استبدادي شمولي ، دستورٌ وضع الدين في الشأن الخاص وساوى بين الرجل والمرأة ، وشيد قوانينه على مبدأ المواطنة ، ومانعته مواد هذا الدستور الحد من حرية المواطنين وحقوقهم بوضع موادٍ تكرس سلطاته المطلقة .
هذا الدستور منع اندغام السلطة بالدولة كما حصل في الأنظمة الشمولية الأخرى ، التي استعانت بالسلطة للهيمنة على المجتمع ، فكافأتها السلطة العارية بتأبيدها ، لكن عبر اندغامها بالدولة .
هذه الخصوصية ” التونسية ” أبقت المجتمع مستقلاً عن الدولة بتعبيراته وصحافته ومنظماته ونقاباته وجمعياته الأهلية ومن ثمة أحزابه السياسية ، ومن خلال هذه الاستقلالية لعبت وحدة المجتمع دوراً طليعياً في تمكين الشعب من مواجهة نظامه موحداً .
إن المجتمع التونسي لا يعيش عقدة أكثرية تسعى للهيمنة ، ولا عقدة أقليات مأزومة ترى مصالحها مع النظام ، فلا توجد في تونس أكثرية أو أقلية إثنية أو دينية أم مذهبية ولا قبيلية، وقد شاهدنا الحشود المتدفقة إلى شوارع العاصمة وساحاتها ، وإلى مدنه الأخرى التي تمور بطاقات شابة ، تعاني الفقر والبطالة بصدور مشرعة وعامرة بحب الوطن والحياة .
لاشك أن اتحاد النقابات العمالية المنحاز إلى هذه الانتفاضة /الثورة ، كما انحاز إلى الانتفاضات السابقة ، كان له صدى ودفعاً للشعب ، وكذلك النقابات المهنية وجمعيات حقوق الإنسان .
انتفاضة الشعب في تونس عرَّت الرئيس زين العابدين ، وقدمت له فاتورة حساب حكمه المديدة ، من نهبٍ وفساد واحتكار عائلته وزوجته للقمة عيش الشعب وحق شبابه بالعيش الكريم والعمل، فاتهم في البداية التحرك الشعبي بالإرهاب ، وبعدها اعترف بأخطائه وأخذ يكيل الوعود بلا حساب ، وعندما اهتزَّت أركان قصره ، واجه الشعب بالعنف والرصاص والعصي والقنابل المسيلة للدموع والخانقة ، وأطلق العنان ليد أعضاء حزبه قتلاً وحرقاً وتخريباً ، وبالرغم من ذلك بقيت الانتفاضة /الثورة مخلصةً لعلانيتها ولمسارها السلمي وانضباطها ولأهدافها في الخبز والعمل والحرية وبرحيل الرئيس ، إنها بحق ثورة الكرامة .
في هذه المرحلة تذكَّر الرئيس الجيش فكلفه بالقضاء على الانتفاضة ، لكنه غفل أن جيش تونس مهنيٌ ومشارك في مشاريع التنمية ، ومحرمٌ عليه العمل في السياسة حسب نص الدستور ، فكانت الكلمة الفصل له ، فرفض مواجهة الشعب الأعزل ، ولم يجد السيد الرئيس إلا الفرار يجوب العواصم طلباً للجوء ، فتخلى عنه الأصدقاء والحماة لأنهم مع مصالح أوطناهم .
في هذا السرد غاب الحديث عن دور الأحزاب السياسية ، فالانتفاضة تقدمت عفوياً ، وأوجدت قيادتها ميدانياً في الشوارع والساحات ، وكانت الأحزاب السياسية خلفها ، لكن ذلك لايضير الحركة السياسية ولا يمكن غمض دورها ، هذه الأحزاب لم تبخل بترشيد هذه الانتفاضة ولا الانتفاضات السابقة ، ولا يمكن تجاهل تضحياتها في سنوات عمر النظام المديدة اعتقالاً ونفياً ، وهي التي ناهضت النظام وعارضت احتكاره السياسة والاقتصاد ، و راكمت بنشاطها ومطبوعاتها تعرية النظام ولاحقت فساد عائلته و حزب سلطته ، والآن جاء دورها ليقطف الشعب ثمار انتصاره ، وليحافظ على ما أُنجز وهو معمدٌ بدم الشهداء .
نبارك لشعب تونس العظيم هذا الانتصار على طريق الديمقراطية ، مع أننا نراه محفوفا بالمخاطر، ويحتاج وحدة صف الأحزاب والنقابات وجمعيات حقوق الإنسان والمثقفين والمستقلين بلا إقصاءٍ ولا تفرد ، وهو انتصارٌ في آن للشعوب العربية ، وناقوس إنذارٍ للأنظمة .
ربما من السهل التغيير، لكن قد يكون من الصعب التغيير الديمقراطي والانتقال إلى دولة الكل الاجتماعي . حمص 17/1/2011




















