تستهلك الانتخابات الرئاسية الأميركية وقتاً ومجهوداً هائلين ومبالغ طائلة. ولا شك في أن هذا الوقت والمجهود وهذه المبالغ هي أكثر من اللازم – لكن في نهاية المطاف لا يستطيع أحد أن يتذمّر بأنه لم يتم التدقيق جيداً في المرشحين. لقد تعلّمنا الكثير عن باراك أوباما وجون ماكين خلال هذه الحملة. وفي نظرنا، إنه كافٍ لنكون على ثقة بأن أوباما هو الخيار الصحيح.
في البداية، لم نكن واثقين جداً. فأوباما لا يتمتع بالخبرة. وسياساته مزيج من الجيد، إنما ليس الجيد جداً، والسيئ بكل ما في الكلمة من معنى. وبما أن الانتخابات سوف تعزّز سيطرة الديموقراطيين على الكونغرس، يمكن الدفاع عن إعادة جمهوري إلى البيت الأبيض: فسجل الحكومات المنقسمة في الولايات المتحدة أفضل من الحكومات الموحّدة في ظل أي من الحزبين.
إذاً كان يجب أن تكون المنافسة متقاربة جداً. لكن قبل أسبوع من الانتخابات، لا نشعر بأنها كذلك.
خاض أوباما حملة أفضل بكثير. ليس خوض الحملات مثل الحكم، ويجب ألا تكون الرئاسة جائزة تعطى لمن يلقي أفضل الخطب ويعدّ أفضل الإعلانات التلفزيونية ويصافح العدد الأكبر من الأشخاص ويقبّل العدد الأكبر من الأطفال.
غير أن الحملة هي اختبار للقيادة. وقد خاض أوباما حملته بطريقة رائعة؛ أما ماكين فغالباً ما بدا مشوّشاً. بعد ثماني سنوات من حكم جورج دبليو بوش، تفرض الكفاءة المطّردة لحملة أوباما الاحترام.
كما يجب عدم التقليل من شأن الطريقة التي يتعامل بها أوباما مع الحشود. يلفت الرؤساء الجيدون انتباه الناس؛ أما الرؤساء العظماء فيلهمونهم. ماكين، بحسب المعايير المتعارف عليها، متحدث مناسب إنما ليس أكثر من ذلك. وأوباما، بحسب المعايير المتعارف عليها، خطيب سياسي بارع لم تشهد له البلاد مثيلاً منذ عقود. وإذا وُظِّفت هذه القدرة من أجل الأهداف الصحيحة، لا تعود مجرد زينة بل تتحول ورقة رابحة لا تُقدَّر بثمن.
تبدو أهداف أوباما صحيحة في معظمها، مع أننا نمنحه بكلامنا هذا منفعة الشك. فقبل كل شيء، يثمّن التوافق ويسعى بصدق إلى توحيد البلاد، وهو أمر نحتاج إليه. لقد أصابت دعوته إلى التغيير وتراً قوياً لدى أمة متعبة ومحبطة المعنويات – وهل من شخص يستطيع أن يعد بالتغيير الحقيقي بصدقية أكبر من أوباما، الرجل الأسود الذي كانت مجرد تسميته للرئاسة تطوراً تاريخياً في السياسة الأميركية؟
نثني على اقتراحه الأساسي على الصعيد الداخلي: إصلاح شامل للرعاية الصحية. من شأن هذه الخطة أن توفّر تأميناً شبه شامل من دون إلزامية التسجل في التأمين التي تفرضها الخطط المنافسة؛ كما أنها تتميّز بأنها تجمع بين هدف بعيد الرؤية واعتدال في الأسلوب. ولخطة ماكين المستندة إلى توسيع الإعفاءات من الضرائب خارج نطاق التأمين الذي يموّله أصحاب العمل، إيجابياتها أيضاً – من شأنها أن تحتوي التكاليف في شكل أفضل – لكنها خجولة جداً ولا توسّع التغطية بالقدر الكافي.
أوباما هو الأكثر تخييباً للآمال في موضوع التجارة. انصاع للحمائيين خلال الانتخابات التمهيدية، ولم يعدل عن موقفه. قد يكون صادقاً، وهذا مقلق. إذا فاز في الانتخابات، فسوف ينتظر منه كونغرس ديموقراطي أن يفي بتلك الوعود التي تُجهز على التجارة. أما ماكين فيظهر تأييداً للتجارة بشجاعة وثبات، وهذه نقطة قوية تُسجَّل لمصلحته.
في التعامل مع الأزمة الاقتصادية الطارئة، أثار أوباما الإعجاب من جديد – ليس عبر طرح حلوله الخاصة إنما عبر التحلي بالهدوء والمنهجية، والسعي للحصول على أفضل النصائح. أما تصريحات ماكين المتسرّعة وغير المدروسة فكانت مثيرة للتوتر، هذا عندما لا تكون خارج الموضوع.
في السياسة الخارجية حيث غالباً ما تآمر المرشحان للمبالغة في إظهار الاختلافات بينهما، يبدو التناقض في المزاجَين أساسياً. فعلى الرغم من خبرته، بدا ماكين منقاداً بقوة لغريزة العمل الحاسم ولإحساس باليقين مبالغ فيه وعدم رغبة في رؤية اللون الرمادي بمختلف درجاته.
أظهر أن المجازفة تكاد تكون ميزته الأساسية، غير أن المقامرة لا تنجح دائماً. وخير مثال على ذلك اختياره ساره بايلين لمنصب نائبة الرئيس، والذي يُعتبَر على نطاق واسع بأنه كان خياراً خاطئاً. ليس التهوّر فضيلة عند الرئيس. وأوباما الحذر والمتروّي أقل إثارة للقلق.
لكن اطمئنوا أنه في حال فاز أوباما، فمن المحتم أن يخيّب الآمال. وكيف عساه ألا يفعل؟ يُنتظَر منه أن يداوي الانقسامات العرقية في البلاد ويضع حداً لعدم المساواة المتزايدة ويحسّن معايير عيش الطبقة الوسطى ويخفّض ضرائب الجميع تقريباً ويغيّر صورة الولايات المتحدة في الخارج ويوقف الخسائر في العراق ويتعاطى مع الفوضى في أفغانستان وأكثر من ذلك بكثير.
ومن أجل النجاح في تلك المساعي، ثمة حاجة إلى أكثر من الخطاب الذي يرفع المعنويات، والسلوك الرئاسي، حتى لو كان الاقتصاد ينمو بسرعة، وهذا ما لن يحصل.
ستكون التحديات التي سوف يواجهها الرئيس المقبل استثنائية. نتردد في أن نتمناها لأحد، لكن نأمل أن يفوز أوباما بالمنصب.
إفتتاحية
ترجمة نسرين ناضر
"النهار"




















