بين إضاءة إدلب لشجرة السلام، أكبر شجرة ميلاد في الوطن العربي بارتفاع 33 مترا وقطر 25 مترا، واستقبال صافيتا للأعياد بشجرة ضخمة مضاءة ب 3200 لمبة زينة، وافتتاح مغارة الميلاد الأكبر في سورية والتي تقدر مساحتها ب 400 متر مربع، واصل السوريون الاحتفال بقدوم عيدي ميلاد السيد المسيح وعيد رأس السنة الميلادية وسط أجواء مليئة بزينة الاحتفال.
إذ لم تقتصر زينة الميلاد على شرفات الأبنية في باب توما والدويلعة وسواها من المناطق ذات الغالبية المسيحية، فقد زين المسلمون أيضا في سوية شرفاتهم بالأجراس وعربات نويل وأدخلوا شجرة الميلاد لتحتل صدر المنزل متباهية بزينتها وألقها.
كما ارتدت الأسواق أثواب العيد، سواء في الصالحية أو الحمراء، وسط العاصمة السورية دمشق، كما في المدن والبلدات السورية البعيدة على حد سواء.
ومن المعروف الامتداد التاريخي للوجود المسيحي في سورية، المتصل منذ ظهور المسيحية، حيث كان الآراميون من أوائل الشعوب التي اعتنقت الديانة المسيحية، حيث كانت الآرامية لغة السيد المسيح، هي لغة ما تزال حية في معلولا (قرية مسيحين سريان) وجبعدين (قرية محاذية إسلام سريان)، قرب دمشق.
وتاريخيا كانت المسيحية ديانة سكان النصف الشرقي من سورية وغرب العراق في زمن الدولة الإسلامية، ومما يميز سورية اليوم كنائسها القديمة القائمة حتى هذا اليوم ومن أشهرها كنيسة يوحنا المعمدان (الجامع الأموي) والكنيسة المريمية وكنيسة حنانيا، وأديرة شهيرة منها دير مار موسى ودير السيدة، التي يزورها اليوم السائحون من مختلف الجنسيات، كما يحج إليها السوريون مسلمين ومسيحيين.
داني الخالدي، من شبكة اللادينيين العرب، يعرف القائمون عليها بأنها “مجموعة فكرية إنسانية حرة ومستقلة” ، يرى داني أن هنالك في سوريا ثقافة إنسانية أصيلة عمرها آلاف السنين، وفيها اليوم الكثير من العلمانية على المستوى السياسي- الاجتماعي، مضيفا “المسلمون والمسيحيون يتعايشون، يتعايشون بصفتهم بشر وباقترابهم من الإنسانية المشتركة بينهم وبرفضهم الانصياع لدائرة الصراع التي تؤسس لها التقسيمات القبلية والقبلية الدينية”.
بينما يرى جورج كتن، وهو كاتب من سورية مهتم بقضايا الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان والأقليات، يرى أن كلمة تعايش تدل على وجود هدنة في الصراع بين المختلفين، وهذا صحيح برأيه، والضمانة لاستمرار هذا التعايش تكون في منع السلطة المهيمنة لأي تجاوزات أو تمييز، أما الضمانة الدائمة برأيه فهي في العلمانية إذ يقول
“هذه العلمانية الضمانة لم نصلها بعد، إذ أنها تشمل قانون أحوال شخصية مدني، يأخذ بما هو صالح للعصر في جميع الديانات فيوحد الإجراءات لجميع الطوائف. كما تشمل إلغاء التعليم الديني في المدارس الرسمية لتكون الدولة حيادية تجاه الأديان”.
ومن المعروف أن مسيحيي سورية ساهموا ويساهمون في نهضتها وحضارتها مساهمة فعالة، و كان منهم رئيس مجلس النواب فارس الخوري ووزراء ومسؤولون مدنيون في الحكومة وقادة في الجيش السوري، ومنهم أيضا مفكرون وأدباء وشعراء.
ويقدر عدد مسيحيي سورية اليوم حسب التقديرات الحكومية ب 8% من عدد السكان، فيما كانوا يشكلون في الأربعينات من القرن العشرين وبالتحديد سنة 1945 20% من سكان سورية، ويعزو المتابعون السبب لرئيسي لتناقص نسبة المسيحيين السوريين إلى مجموع السوريين لهجرة المسيحيين إلى بقاع العالم، ولكنهم رغم ذلك يواظبون على زيارة وطنهم الأم، مهد المسيحية التي احتضنت أقدم الكنائس وأول قرع الأجراس.
داني يعزو سبب تناقص نسبة وعدد المسيحيين في سورية إلى أن المسلمين أكثر انجابا قياسا لغيرهم، كما يرجع ذلك إلى الأجواء الإسلامية في المنطقة ككل في السنوات الماضية، ونزعة التدين الإسلامي في سوريا في السنوات الماضية، وتقارب النظام مع التوجهات والحركات والدول الإسلامية، كل هذا برأيه يوحي بجو غير مريح، وقلق تجاه المستقبل، وهذا يجعل مسيحيين أكثر يهاجرون إلى دول أخرى.
لكنه يضيف ” من جهة أخرى حسب معرفتي ومتابعتي فإن دولاً غربية ودولاً أخرى تقبل بهجرة المسيحين أو قدومهم للعمل بدرجة أكبر من غيرهم (المسلمين). وبهذا يكون المسيحيون أكثر قدرة على الهجرة”.
يعترض الكاتب كتن على وجهة النظر القائلة بأن الهجرة هي السبب في تناقص عدد ونسب المسيحيين، فهو يرى أن ذلك لا يفسر المسألة بشكل دقيق، فهو يرى أن دول المهجر لا تميز في القبول بين المسلمين والمسيحيين، لكن السبب الرئيسي يعود برأيه للأجواء المعادية للمسيحيين في الدول المجاورة.
“إنهم يشعرون بنذر الخطر في المناطق المجاورة، حيث يقتل المسيحيون على الهوية في العراق، ويجري تمييز واضح ضد الأقباط بمصر في الوظائف والتمثيل السياسي وبناء الكنائس وغير ذلك، وهم ممنوعون من ممارسة شعائرهم في السعودية ودول خليجية أخرى، والصراعات الدينية تتجدد في لبنان بين فترة وأخرى، فيما حماس اعتبرت فلسطين وقفا اسلاميا”.
ويتمتع المسيحيون اليوم في سورية بالحقوق المدنية والسياسية ذاتها التي يحظى بها السوريون المسلمون، كما يعودون فيما يتعلق بتنظيم شؤون الحياة من زواج وإرث وسواه إلى قانون الطائفة الخاص للأحوال الشخصية.
يشير داني معلقا على تعرض المسيحيين في سورية للاضطهاد فيقول “الأمر نسبي هنا، هم يتعرضون لبعض الاضطهاد فيشعرون أنهم يشربون الثقافة والمعايير الإسلامية غصباً عنهم وفرضاً عليهم وقد نجد أموراً أخرى مثل بناء جامع أمام كنيسة لا لشيء إنما ليقوم بمضاربة صوتية”، لكنه ينوه إلى كم هذا الاضطهاد فهو يراه قليل لدرجة يجب فيها أن لا نستخدم مصطلح اضطهاد، فعلى المستوى التشريعي وعلى مستوى التطبيق العملي الدولة تعاملهم بمساواة وتحترمهم. وعلى مستوى التعايش مع بقية أطياف المجتمع فهو ناجح لدرجة كبيرة.
فيما يجد الكاتب جورج كتن أن سورية تتميز عن البلدان المجاورة بأنها تتعامل بشكل أفضل مع التعدد الديني والمذهبي في البلاد، وهذا أمر حسن نسبياً، ولكنه ليس الوضع الأفضل، إذ يقول
“التعايش الحالي معرض للتآكل مع التغييرات التي قد تحدث في البلاد أو في البلدان المجاورة” وبرأيه فإن هذا شعور المسيحيين بافتقاد ضمانة أكيدة لهذا التعايش هو ما يسبب هجرتهم.
وبينما يتم استهداف المسيحيين في العراق عبر هجمات مروّعة كان آخرها تفجير كنيسة سيدة النجاة في بغداد الذي أسفر عن مقتل 52 شخصا من الرهائن الذين تم احتجازهم داخل الكنيسة، بالإضافة إلى عدد من رجال الشرطة، فإن السوريين يشعرون بالاستنكار والاستغراب لاستهداف المسيحيين في بلد مجاور، احتضن المسيحية منذ سنواتها الأولى، وقد صدرت عبارات الإدانة من قبل رجال دين مسلمين في سورية، كما أصدرت الطوائف المسيحية بيان استنكار للجريمة.
وفي سورية اليوم، هنالك الكثير من الزيجات المختلطة، الإسلامية المسيحية، وداني ثمرة إحدى هذه الزيجات، وهو يرى هذا الأمر ايجابيا من حيث أنه عند زواج مسلم ومسيحية يرجح أن الطرفين معتدلين، وهذا يقود إلى ثقافة أسرية معتدلة تتفهم الاختلاف في المعتقد وتحترم الاتفاق في الأخلاق والمصالح الإنسانية المشتركة، مضيفا “هذه الزيجات هي بذور المجتمع الإنساني المتمدن والمتعايش والسلمي”.
ورغم اتفاق جورج مع نجاح هذه الزيجات فهو يشير إلى ندرتها لأسباب تتعلق بتطبيق قوانين أحوال شخصية متعددة تضيق على مثل هذه الزيجات، وهي يمكن أن تزداد في حال إقرار قانون زواج مدني موحد، أما بالنسبة لأبناء هذه الزيجات فيرى ضرورة أن يقر القانون حقهم في اختيار الدين الذي يرغبون، دون اتهام بالارتداد، ويضيف “ثقافة الأبناء هي الأفضل حيث تتوفر لهم فرصة الإطلاع من آبائهم وأمهاتهم على أفضل ما في دينيهما ليختاروا بحرية عندما يبلغوا سن الرشد”.
ولاشك في أن سورية اليوم، التي تتزين بكل بيوتها لاستقبال السنة الجديدة، وتصدح فيها الأجراس إلى جانب آذان الجوامع للصلاة، لن تكون يوما غنية بتنوعها وثقافتها إلا باستمرار الوجود المسيحي فيها، لتكوين النسيج السوري المتنوع والخصب.
لذلك فإن المحافظة على هذا التنوع هي اليوم تتبدى من خلال هذا التعايش الإسلامي المسيحي، في كل بيت وشارع سوري، وبأيدي الأطفال المسلمين والمسيحيين التي تعلق الأضواء على الشجرة.
وكما يضيف جورج المشكلة ليست مشكلة مصير الأقليات المسيحية “المشكلة الأهم هي مصير الغالبية التي ستبقى في بلدان يسود فيها رفض الآخر المختلف ورفض العلمانية والحقوق المتساوية للمواطنين رغم اختلاف مذاهبهم”.




















