هذا وقت معارض الأثرياء. فلا أزمة مالية كارثية تجتاح العالم، وتهدد بمزيد من المصائب فيه، ولا خسائر تحصى بالبلايين تعلن يوميا، ولا هموم إطلاقا في روسيا عند نخبة تعيش في عالم منفصل عن عالم الآخرين.
وفي حين يبتكر فقراء روسيا في كل صباح أساليب للتحايل على الموازنة المنزلية بهدف تأمين ما يلزم لسدّ الرمق لمدة يوم، جاء معرض «إكسترافاغانزا»، المقام على خطوات من الكرملين، ليذكّر أهل موسكو وزوارها بأن أحوال البعض ما زالت بألف خير على رغم ضجيج الأزمة وتداعياتها على كثيرين.
والمعرض ضم فرائد من الحلي والأثواب الفاخرة والإكسسوارات واللوحات الفنية التي عرضت خلف فترينات فاخرة صممت لتتناسب مع محتوياتها الثمينة. كما ضم تشكيلة من السيارات الفارهة تقدمتها، كما الحال في المعارض المماثلة، نسخة غالية من «رولز رايس». ولم يغفل المشاركون أهمية العقارات الفاخرة التي عرضت مجسماتها، وسجلت شركات العقارات حضوراً متميزاً إذ تنافست شركات من الإمارات وتايلاند وألمانيا على تقديم عروض لافتة للراغبين في شراء منزل أو شقة ببضعة ملايين من الدولارات فقط.
وحظي المعرض الذي انتهى قبل ايام بإقبال كبير فاق كل التوقعات، وقال مشرف على أحد الأجنحة انه شهد نحو عشرين ألف زائر يوميا، طيلة فترة عمله التي استمرت ثلاثة أيام.
رقم يبدو خياليا للبعض في ظروف الأزمة العالمية وتداعياتها. فعشرات الألوف من أصحاب المحافظ السمينة لم تشغلهم أخبار البورصات وهموم القروض، وإنحصر تفكير بعضهم في اقتناء معطف فراء تصل قيمته إلى نصف مليون دولار أو شراء حلية يزيد سعرها على 140 ألف دولار، أو تحفة صغيرة لا تكاد عين الغافل تراها لكن قيمتها قد تصل إلى مليون دولار.
لكن المعرض، وعلى رغم ما ضمه من ثراء، بدا «فقيرا» بالمقارنة مع معرض سابق ضم بالإضافة إلى كل ما سبق معروضات خاصة لا يقتنيها أي ثري، فهي مخصصة لكبار الأثرياء وحدهم، وبينها مثلا مروحيات أثارت إعجاب رجال المال الروس فتحدثت الصحف في حينها عن احتمال السماح بطيران المروحيات الخاصة فوق سماء العاصمة.
ويبدو أن الأزمة هي سبب «التقشف» في المعرض الحالي، فكثير من «الحيتان» لا يبالون حاليا بالمعارض، وهذا دفع أحد المشرفين على المعرض لتأكيد أنه ليس موجها لكبار الأثرياء، بل لطبقة من أصحاب الملايين مرتاحة البال نسبيا ولم تهتز أوضاعها كثيرا بسبب الأزمة. ولاحظ ان لدى بعض هؤلاء أسبابا أخرى تدفعهم إلى ارتياد المعارض المماثلة، فالاستثمار في عقار في دبي مثلا، أضمن من بقاء بضعة ملايين من الدولارات في مصرف روسي يكاد يعلن إفلاسه، خصوصا بعدما أشهر عدد من المصارف إفلاسه خلال الأسابيع الأخيرة، على رغم أن الحكومة تصر حتى الآن على أن الأزمة لن تجرؤ على دخول روسيا!
والواضح أن إقامة المعارض والفعاليات المماثلة تسهم في تعزيز الدعاية الحكومية حول حصانة الاقتصاد الروسي من الإصابة بالأزمة «الأميركية». ولاحظ معلق روسي «ان غالبية زوار إكسترا فاغانزا لم يخطر ببالهم»، وهم يتجولون بأنظارهم على النفائس المعروضة على الرفوف أن ملايين الروس من موظفي القطاع الخاص سرّحوا من أعمالهم أخيراً، وان كثيرين أمثالهم ينتظرون تطوراً مماثلاً في كل يوم، وأن شركات السيارات الروسية أوقفت خطوط إنتاجها بسبب نقص السيولة، وأن ألوف الطلبة الجامعيين مهددون بالفصل من دراستهم لتوقف برامج الإقراض الدراسي، وأن قطاع البناء يشهد شللا غير مسبوق أدى إلى تجميد مشاريع تم إنجاز 80 في المئة منها، وإلغاء خطط آلاف من مشاريع البناء الجديدة، وهذا جانب فقط من تجليات الأزمة، يدفع إلى الغيظ من إقامة معارض للأثرياء في هذا التوقيت. إنها، كما يقول المعلق، موسكو مدينة الغرائب.
"الحياة"




















