الكويت ـ جورج بكاسيني
أحبط وزراء الخارجية العرب أمس محاولة قطرية ـ سورية لفرض بيان اجتماع الدوحة على قمة الكويت. واصرّوا في اجتماعهم الطارئ على مستوى مجلس الجامعة الذي عقدوه في الكويت على إصدار مجموعة من القرارات لرفعها الى القادة العرب لمناقشتها يوم الاثنين، في القمة الاقتصادية التي صارت سياسية بامتياز مع منحها عنوان "قمة التضامن مع غزّة"، وتحويله الى بند أوّل في جدول أعمال القمة.
ورغم شعور الوزراء بالمرارة إزاء ما وصلت اليه الأحوال من انقسامات بلغت حدوداً غير مسبوقة تمثلت بانعقاد "قمّتين" في أسبوع واحد (رغم عدم شرعية الأولى)، ورغم محاولة وزيري خارجية المملكة العربية السعودية ومصر التخفيف من حدّة هذه الصورة، شدّد ممثل قطر في الاجتماع (وكيل وزارة الخارجية)، حسب مصدر وزاري عربي، على وجوب عدم صدور اي قرار أو توصية عن الاجتماع الوزاري "لئلا تتناقض" مع ما صدر عن اجتماع الدوحة أمس، مقترحاً ترك القرارات للقادة العرب في قمة الاثنين.
وكان الجانب السوري الذي قاطع اجتماع المجلس الوزاري أمس، أبلغ الأمانة العامة لجامعة الدول العربية قبيل انعقاد الاجتماع، رفضه صدور أي قرار عنه، مطالباً باعتماد بيان الدوحة في البيان الختامي لقمة الكويت، ما أنبأ باحتمال ظهور خلافات حادة يوم الاثنين، حسب أكثر من وزير شارك في الاجتماع.
لكن الوزراء الآخرين أصروا على إصدار قرارين عن اجتماعهم يتعلقان بغزّة، رفعوا معهما الى القادة اقتراحاً من السلطة الفلسطينية باقامة صندوق لإعادة إعمار غزّة بملياري دولار، وسط محاولات من الوزير السعودي الأمير سعود الفيصل لإرخاء أجواء التوافق التي سادت القمة الخليجية في الرياض أول من أمس، على اجتماعات الكويت.
وأكد الفيصل أمام الوزراء أن الأزمة التي يمرّ بها العرب حالياً "يمكن تجاوزها وإن شاء الله سنتجاوزها"، داعياً الى توحيد الجهود لإنقاذ غزّة والشعب الفلسطيني. فيما أكد نظيره المصري الوزير أحمد أبو الغيط أن العرب "مروا بأزمات أكبر وأخطر وتم تجاوزها"، ما حدا بممثل قطر الى تكرار الموقف نفسه، مع العلم أنه عاد وتحفّظ على صدور القرارات عن الاجتماع الوزاري. كما تحفّظ وزير خارجية السودان على ذكر اتفاقية العام 2005 في الفقرة المتعلقة بفتح المعابر، بالاضافة الى مطالبته بـ"النظر" في علاقات بعض الدول العربية مع اسرائيل.
سبق ذلك إقدام الرئيس بشار الاسد على نعي المبادرة العربية للسلام في قمة الدوحة، كما سبق ذلك مداخلة للأمين العام للجامعة عمرو موسى أبدى فيها امتعاضاً بلغ حدود "الغضب"، حسب تعبير المصدر الوزاري، إزاء ما وصلت إليه حال التجاذبات بين العرب، معرباً عن أسفه للوضع الذي بلغه العمل العربي المشترك، و"التشرذم الذي يحاصر الأمة".
ولخّص المصدر الوزاري انطباعه عن اجتماع أمس بالقول: "حال من الدمار تحاصر غزّة، وأخرى من الاهتراء تحاصر العمل العربي المشترك تنبئ بمزيد من التشرذم". أضاف: "كيف يمكن بلوغ موقف عربي موحّد وقد شهدنا بالأمس عيّنة من المزايدات في قلب قاعدة عسكرية أميركية (اجتماع الدوحة) طاولت دولاً عربية بحجّة أن علاقات تربطها بالولايات المتحدة؟!".
مشروع القرار
وينص مشروع القرار الذي سيرفع الى القمة العربية الاقتصادية في الكويت التي تلتئم الاثنين، على "الدعوة الى الوقف الفوري للعدوان الاسرائيلي والى انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة فوراً".
ويدعو ايضا الى "فتح جميع المعابر وانهاء الحصار المفروض على قطاع غزة وفق الآلية المقترحة في المبادرة المصرية".
كما ينص مشروع القرار على "التزام اعادة البناء والاعمار في قطاع غزة والاراضي الفلسطينية وتوفير الامكانات المالية اللازمة لهذا الغرض والتي تقدر بما يزيد عن ملياري دولار، بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية".
ويدعو مشروع القرار الى "تقديم دعم اضافي بما لا يقل عن خمسمئة مليون دولار لدعم موازنة السلطة الفلسطينية" ويناشد دول العالم المشاركة في عملية اعادة الاعمار.
وحضر الاجتماع وزراء خارجية عدد من الدول العربية بينهم وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط والسعودي الامير سعود الفيصل فيما غاب وزير الخارجية السوري وليد المعلم ونظيره القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني (رئيس الوزراء ايضا)، وتمثلت دول عدة على مستوى ادنى من وزير خارجية.
وتلا الفيصل الذي ترأس الاجتماع البيان الختامي الذي اكد اتخاذ قرار ان "تبقى اجتماعات المجلس الوزاري العربي مفتوحة لمتابعة تطورات الاوضاع" في غزة.
وكانت مصر والسعودية ردتا على دعوة قطر الى عقد قمة عربية طارئة، بالتأكيد ان قمة الكويت تشكل الفرصة المناسبة لبحث الوضع في غزة.
خارج الجامعة
ورغم الجدل الذي اثارته الدعوة القطرية للقمة الطارئة وعدم اكتمال النصاب القانوني لها، عقدت قطر "قمة غزة الطارئة" خارج اطار الجامعة العربية بمشاركة دول عربية واسلامية مع حضور لافت للرئيس الايراني محمود احمدي نجاد ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل.
وقال الامير سعود الفيصل تعليقاً على سؤال حول القمة التي استضافتها الدوحة "ليست اول مرة يحصل شيء مثل هذا. نأمل الا تكون آثاره سلبية اكثر مما يجب".
اما موسى فشدد على ان قمة الدوحة تعقد خارج اطار الجامعة العربية بينما قمة الكويت قمة عربية كاملة، الا انه اعتبر انه "لن يتم تجاهل" قرارات قمة الدوحة.
وعن اتخاذ قطر وموريتانيا قرارا بتجميد علاقاتهما مع اسرائيل خلال قمة الدوحة، قال موسى انها "خطوة مهمة جدا للرد على العربدة الاسرائيلية".
وكان وزير الخارجية السعودي دعا نظراءه العرب خلال الاجتماع الى دعم الجهود المصرية الرامية الى وقف اطلاق النار في القطاع، والى البحث في امكان العودة الى مجلس الامن لاستصدار قرار تنفيذي للقرار 1860.
واعتبر الفيصل ان الحرب في غزة "ان استمرت، فإن آثارها وانعكاساتها ستكون خطيرة وبعيدة المدى". وناشد الدول العربية "انشاء صندوق لإعمار غزة".
ودعا الوزير السعودي في كلمته في الاجتماع المغلق الى "النظر في جدوى العودة الى مجلس الامن لاستصدار قرار تنفيذي" يساهم في تنفيذ القرار الدولي الداعي الى وقف اطلاق النار في غزة.
وشدد الفيصل على "البدء بحوار جاد وشامل حول هذه التوصيات مع الادارة الاميركية الجديدة" التي تتسلم الحكم في واشنطن اعتبارا من عشرين كانون الثاني (يناير) الحالي برئاسة باراك اوباما.
وأكد وزير الخارجية أحمد أبوالغيط أمام الاجتماع الوزاري لوزراء الخارجية العرب بالكويت أن مصر ستستمر في جهودها المكثفة لإنهاء الأزمة الحالية في غزة ووقف العدوان الإسرائيلي مهما واجهها من تحديات.
وأوضح أبوالغيط في كلمته أن هذا الموقف يأتي من واقع التزام مصر التاريخي والعمل لحل القضية الفلسطينية وتحملها لمسؤولياتها تجاه الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، مشيرا إلى أن الدول العربية قادرة أيضا على تخطي الأزمة الحالية حتى ولو اختلفت منهجيات العمل فيما بينها.
ودعا رئيس السوري بشار الاسد في كلمة في افتتاح "قمة غزة الطارئة" الدول العربية التي تقيم علاقات مع اسرائيل الى "اغلاق السفارات الاسرائيلية" فوراً والى "قطع اي علاقات مباشرة او وغير مباشرة" معها.
واكد امام القمة ان "مبادرة السلام العربية" اضحت "في حكم الميتة" وانه "لم يبق الا نقلها من سجل الاحياء الى سجل الاموات" وذلك بسبب رفض اسرائيل السلام.
كما دعا رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل الى "وقف كل اشكال التطبيع والعلاقات مع الاسرائيليين بكل اشكالها وتفعيل المقاطعة العربية".
واكد مشعل ان الحركة "لن تقبل الشروط الاسرائيلية" لوقف النار لان "المقاومة على ارض غزة لم تهزم".
وقال مشعل امام قادة ووزراء من 12 دولة عربية "لن نقبل الشروط الاسرائيلية لوقف النار لان المقاومة على ارض غزة لم تهزم".
واكد ضرورة رفع الحصار وفتح المعابر ودعا العرب الى رعاية حوار من اجل المصالحة الوطنية الفلسطينية.
واكد الرئيس السوداني عمر البشير ان السلام لا يعني الاستسلام ودعا الى "سحب نهائي" للمبادرة العربية للسلام و"وقف اي محاولات تطبيع مع اسرائيل وانهاء وجودها الدبلوماسي في الدول العربية" مشددا على ضرورة وحدة الصف العربي.
في المقابل شدد الرئيس اللبناني ميشال سليمان على اهمية التضامن العربي وعلى التمسك بمبادرة السلام العربية وقال "ان اجتماعنا التضامني اليوم مع غزة لا يجب ان يظهر كانه تكريس للانقسام العربي وسياسة المحاور بل كمدخل لمزيد من الوعي والتشاور والتحاور".
وصدر في ختام اجتماع الدوحة بيان، واعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم الجمعة ان مطالب قمة غزة الطارئة في الدوحة ستحال الى قمة الكويت الاقتصادية الاثنين "ومن يريد ان ينضم فاهلا وسهلا".
وبشأن تجميد العلاقات مع اسرائيل قال عضو في الوفد الموريتاني: "قررت قطر وموريتانيا في الجلسة المغلقة للقمة تجميد علاقاتهما مع اسرائيل".
وقال رئيس الوزراء الشيخ حمد بن جاسم ال ثاني ان مكتب التمثيل التجاري الاسرائيلي سيعاد فتحه اذا تحسن الوضع.
وردا على بعض الكلمات في اجتماع الدوحة، اكد امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه "ان امير قطر ليس هو او غيره من يقرر مصير الشعب الفلسطيني" في انتقاد مباشر لعقد قطر قمة حول غزة في الدوحة شاركت فيه حركة حماس.
وهاجم عبد ربه امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قائلا "اذا كانت عند امير قطر اجندة خاصة يريد من خلال دم غزة ان يمررها في تحقيق اهدافه الخاصة فهذا شأنه".
واضاف "اما ان يلعب بالتمثيل الفلسطيني، فهذا خط احمر. لا يستطيع أحد المس بالتمثيل الفلسطيني، ودول عظمى واكبر بكثير من حجم قطر حاولت ان تشقنا ولم تستطع وفشلت".
واعتبر مستشار الرئيس الفلسطيني نمر حماد أن اجتماع الدوحة لا يساعد في دعم القضية الفلسطينية، مؤكدا أن مصر هي التي تتحمل العبء الأكبر لوقف العدوان الإسرائيلي الظالم والقتل المستمر على غزة.
(قنا، ا ش ا، ا ف ب، رويترز، ي ب ا)




















