وسام سعادة
ما كانت "مبادرة السلام العربيّة" تعاقداً مبرماً بين العرب وإسرائيل، كي يقال لاحقاً ان إسرائيل إذا ما أعرضت عن هذه المبادرة، أو أطاحت بها، فيلزم بالتالي إعتبارها لاغية من جانب العرب، والمسارعة للإلتحاق بالمشروع المهدويّ الآريّ الذي يقترحه عليهم محمود أحمدي نجاد.
وما كانت "مبادرة السلام العربيّة" حجّة ظرفية تساقُ جدلاً، في معرض مناظرة كلاميّة، ثم تسحب رأساً إذا ما خاب الجََدَلُ أو بُتِر، وإذا ما فرطت المناظرة أو فَسَدت.
وما كان الغرض من "مبادرة السلام العربيّة" التثبّت من إحتمال تطوّر الموقف في اسرائيل سلباً أو إيجاباً بإتجاه السلم، لا لشيء إلا لإفحام العدوّ وإثبات عدم أهليته لتحقيق السلام، وعدم استعداده لتحمّل أكلاف السلم وتأمين موجباته، أو على الأقل التفاوض الجديّ على أكلافه وموجباته.
كانت "مبادرة السلام العربيّة"، لا سيّما في نسختها الأولى، أي قبل تسلّل التشويه السوريّ اللحّوديّ إليها في قمّة بيروت 2002، مشروع رؤية إستراتيجيّة شاملة، تحاول أن تقول للعالم كلّه، وليس فقط لإسرائيل، إن العرب، وللمرّة الاولى في التاريخ الحديث، ما عادوا يكابرون على هزيمتهم العسكريّة والحضاريّة أمام إسرائيل، وأمام الغرب بشكل أو بآخر، وأنّهم صاروا يعون بأنّ تحسين شروط الهزيمة و"ترسيم حدودها" خير سبيل للخروج من المأزق العربيّ كما وصفه مكسيم رودنسون عندما قال إن دولهم تبدي إستعداداً بعد كل هزيمة تلحق بهم للإعتراف بالحدود كما رسمتها الهزيمة السابقة على تلك الهزيمة، وهكذا دواليك، هزيمة بعد هزيمة. وبهذا المعنى بالذات اختلفت "مبادرة السلام العربيّة" عن معزوفة "السلام العادل والشامل" في أدبيّات النظام البعثيّ السوريّ. أرادت هذه المبادرة أن يكفّ العرب عن البقاء قاطرة تجرّها إسرائيل من هزيمة إلى هزيمة، وأن يكون من حقّهم هم أيضاً الحلم بسلام دائم كالذي تنعم به شعوب كثيرة على هذه الأرض، وأنّ هذا السلام الدائم هو الشرط لإزدهار مشاريع الإصلاح على إختلافها، وعلى تدرّجها، في كل بلاد العرب.
لأجل كلّ ذلك فإنّ "مبادرة السلام العربيّة" كانت وما زالت حيّة ترزق، تطرح نفسها بحكم الإستراتيجية الوحيدة التي يمكن أن يطرحها العرب كعرب في عالم اليوم.
أما الدعوات إلى سحب هذه المبادرة فهي تسلب العرب الأفق الإستراتيجيّ الذي على أساسه يمكن إعادة بناء أمنهم القوميّ، بل أنّها تسلب العرب الحدّ الأدنى المتبقي من أمنهم القوميّ، وذلك لصالح إنتشار مظهر "سايكس بيكو" إيرانيّ إسرائيليّ يمكّن إيران من ناحية، من بسط هيمنتها على بلدان المشرق العربي، ويعطي لإسرائيل من ناحية اخرى المجال للفتك بالفلسطينيين، وتفتيت مشروع دولتهم المستقلّة.
وهذا أيضاً ما عملت عليه "الممانعة". فمن زمن حافظ الأسد إلى زمن بشّار الأسد، وهي تستهدف فكرة القرار الوطنيّ الفلسطينيّ المستقلّ، وتعمل على إلغاء مرجعية منظمة التحرير الفلسطينيّة، ومرجعية حركة فتح داخل منظمة التحرير.
لقد ناضل الفلسطينيون ردحاً من الدهر لأجل تكريس منظمة التحرير الفلسطينيّة ممثلاً شرعياً ووحيداً لشعبهم وحاملاً جامعاً لقضيّتهم الوطنيّة. ناضلوا كثيراً وعلّمتهم التجربة أن فكرة الدولتين المتجاورتين والمتعايشتين، العربيّة واليهوديّة، هي الأفق الواقعيّ الأنسب لتحقيق برنامجهم الكفاحيّ الوطنيّ ولتخفيف وطأة ظلم تاريخيّ لحق بهم، ولتحرّرهم قبل كل شيء من دهاليز "المظلوميّة" التي تظلّ تمنّي النفس في أعقاب كل هزيمة، بالحدود التي كانت تقف عندها غداة الهزيمة التي سبقتها.
ناضلوا من أجل ذلك وتحمّلوا شراسة الأعداء كما تحمّلوا ظلم ذوي القربى، وبشكل رئيسيّ النظام السوريّ، المسؤول عن قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وظلم أهل جوار، وبشكل رئيسيّ النظام الإيرانيّ، الذي أراد البحث عن موطئ قدم في قضية لا تتماشى في الأساس مع أيديولوجيته الثيوقراطيّة ولا مع مذهبيّته غير المستورة، فكانت النتيجة أنّ غذّى هذا النظام عوامل الإنشقاق والفرقة في الجسم الفلسطينيّ، وأسهم في فسخ قطاع غزّة عن الضفّة الغربيّة.
لكن جريمة الجرائم بحق فلسطين جاءت في إجتماع "الممانعة التشاورية" بالأمس، والذي كاد يتحوّل إلى قمّة للهرج والمرج لولا كلمات ثاقبة وذكيّة للرئيس اللبنانيّ ميشال سليمان أوضح فيها أنّ المطلوب تبيان كيف يفرض السلام ومبادرته العربية على إسرائيل وليس سحب هذه المبادرة، وأن المطلوب وحدة العرب والفلسطينيين لا الشقاق. الجريمة تمثّلت بتجاوز منظمة التحرير إلى فصائل من خارج المنظمة أو على النقيض من فكرة القرار الوطنيّ الفلسطينيّ المستقلّ. فماذا لو دعيت "منظمة مجاهدي خلق" المقاومة لتمثيل ايران في مؤتمر الأوبك أو في قمّة عدم الإنحياز؟!
ما أقترحه الممانعون بالأمس هو الهرج والمرج حيال كل الملفات. تسحب مبادرة السلام ليس لإعلان الحرب وإنما لتصعيد حالة الهرج والمرج. لا شيء إلا بقايا "السلام العادل والشامل" على طريقة "البعث" في سوريا مطعّماً بدعوات رمي إسرائيل بالبحر على طريقة يونس البحري ومحمود أحمدي نجاد. وسحب الإعتراف بمركزية منظمة التحرير ليس لتشكيل إطار جديد للحركة الوطنية الفلسطينية وإنّما للإمعان في الهرج والمرج. وآخرة الهرج والمرج أن صيغة "قمّة بمن حضر" من القادة العرب، يحضرها بشكل أساسيّ رئيس لدولة غير عربيّة، إيران، دولة تستبدّ بولاية عربيّة هي الأحواز وتحتل جزراً عربيّة في مياه الخليج وتخترق أمن دول ومجتمعات المشرق العربيّ.
حيال هذا الهرج والمرج فإن الإعتدال العربيّ مطالب بمبادرتين جديدتين. المبادرة الأولى تقضي بتنقية مبادرة السلام العربيّة من شوائبها اللحّودية السوريّة لإعادة طرحها كما كانت في نسختها الأصليّة. أما الثانية فـ"مبادرة سلام عربية" تجاه إيران، تلك الدولة التي تحاول أن تفرض هيمنتها على العراق وسوريا ولبنان ومنطقة الخليج والفلسطينيين والتي تشنّع على الإعتدال العربيّ، وعلى مصر بالتحديد، لأنّها تتصوّر أنّ خيارات مصر التاريخية التي لم يستطع الإمام الخميني أن يطيح بها، يمكن أن يزعزعها.. المهدو آريّ محمود أحمدي نجاد.




















