يقول أحد الكتاب ولم أعد أذكر أيهم: إن استطعت أن لا تكتب, فلا تكتب. وهو ما أفهمه دعوة كي يفكر الإنسان مليا قبل أن يشرع في الكتابة، إن كان ما يفكر بالكتابة عنه، أمر مهم أو ملح ولا يمكن أن يتركه الإنسان لنفسه، وكنت أجدني أقتدي بهذا من حيث لا أدري وذلك لأسباب، ليس آخرها، إحترامي لمهنة الكتابة ولوقت ومشاعر القراء. مع ذلك بت أشعر يوما بعد يوم، بعبئ أكبر، مع ما أحمل من هواجس وأفكار، في الإستمرار بعدم الكتابة. وإذا فدافعي هنا للكتابة هو إراحة نفسي بداية وإنزال عبئ حمل بعض وجهات النظر، التي قد أشعر أحيانا بالتفرد بحملها في بعض جوانبها. وإن تبين لدي أن لكتابتي وجه فائدة تجاه ما سأحاول البحث به من أمور، فسأكون أكثر من راض.
كتبت منذ أكثر من خمسة أعوام، عندما لم أستطع حينها أيضا أن لا أكتب، متناولآ حال المعارضة السورية وكان ذلك قبل آعلان دمشق. تناولت أنقساماتها وتشتتها من جهة، وضعف الأداء الذي رافق نشاطها من جهة أخرى في وقت كان يبدو فيه أن ظروفآ دولية وإقليمية مؤاتية قد حلت.
ورغم أني لم أكن مشاركآ آنذاك في التفاؤل الذي كان يسود بين أوساط المعارضة حول درجة الإيجابية لتلك الظروف في المساعدة بتحقيق تغيير ما في سوريا، إلا انني كنت أشعر وبشكل ملح بضرورة إستثمار تلك الظروف بعد ثورة الأرز في لبنان ومجريات التحقيق في إغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الشهيد الحريري والإنسحاب الإذعاني لقوات النظام من لبنان الشقيق. إلا ان الأداء للأسف بسبب التشتت وفقدان البحث عن المشترك وتغليب الأجندات الحزبية أو العقائدية أو الفئوية أو حتى الشخصية، ظل دون المستوى المطلوب وقدم للنظام بدون مقابل وقتا وراحة بال كافية لإعادة ترتيب أوراقه .
بعد إعلان دمشق, والذي كنت ولا زلت أعتبره نقلة نوعية في العمل السوري المعارض وكنت من أوائل الموقعين عليه، حاولت أن أتفاءل بأن تغييرآ نوعيا سوف يحصل. وبلا شك فقد حصل ذلك إنما بحدود أعتبرها تحت سقف التوقعات والطموحات. كان ذلك لأسباب أهمها خلفيته الائتلافية لقوى سياسية ذات مرجعيات فكرية وعقائدية مختلفة إلى حدود التناقض أحيانا.
وقد ظهرت الرؤى المختلفة للقوى المختلفة المؤتلفة في الإعلان، في المواقف من الأحداث العاصفة الجارية في المنطقة وبشكل خاص في العراق ولبنان، كما ظهرت “الإستعصاءآت” والخطوط الحمراء والتابوهات الناتجة عن تلك الخلفيات. ولا عجب فقد كان هناك على سبيل المثال، قوى في الإعلان كانت تتبنى تقريبا، القاموس السياسي لإعلام النظام بما يتعلق بالمقاومة والممانعة، ومحور الممانعة في مقابل محور الإعتدال، وترى أولوية لمقاومة مزعومة للمشروع الإمبريالي الصهيوني قبل النضال لإسقاط “الديكتاتورية” وترى أن النظام مستهدف من قبل هذه الجهات العدوة ولا يجوز بالتالي أن تساهم المعارضة في هذا الإستهداف.
وأنا أعتبر إختلاف المرجعيات، ليس سببا موضوعيا كافيا لأن يتسبب بما تسبب به من عواقب على أداء وفعالية أداء الإعلان، لو أن تلك القوى أدركت طبيعة المعركة مع النظام وأخضعت أجنداتها المرحلية على الأقل لمصلحة هذه المعركة ولم تلعب علي حبال الشعبوية والشعاراتية، ووفرت جهودها لمصلحة الإرادة الصادقة في النضال من أجل التغيير.
ورغم أني لست بصدد تقديم تقييم نقدي شامل لأداء إعلان دمشق، فلا أجد بدا من ذكر النظام وأجهزته الأمنية، التي لم تقف بالتأكيد مكتوفة الأيدي حيال الإعلان، ولا أقصد هنا الإشارة فقط إلى كل وسائل القمع، التي مارسها النظام ولا يزال بحق قادة وكوادر الإعلان، وانما أيضا التدخل الخفي لتلك الأجهزة في خلق البلبلة وإثارة الخلافات داخل مؤسساته من خلال بعض المندسين التابعين له.
كل ما سبق، وضع سلفآ حدودآ للكمون النضالي للإعلان والعمل المعارض وآفاقه.
في الخارج ظهرت جبهة الخلاص الوطني, وكنت من بين الذين كانوا عند تأسيسها. ورغم أني كنت أملك في ذلك الحين رؤيا لتنظيم معارض في الخارج يكون جزءآ من إعلان دمشق ورديفا له، يستفيد من هامش الحركة الأوسع الذي لديه، في إيصال قضية الشعب السوري إلى أوسع المحافل الدولية وإستجلاب الدعم اللازم لهذه القضية، ورغم مساعي لعدم تكبيل تجربة الجبهة باي قيود تخضعها سلفا لأجندات فئوية وشخصية، إلا أنني ومن خلال المداولات التي جرت عند تأسيس الجبهة وفيما بعد، لم أنجح في نقل رؤيتي بشكل فعال إلى الأطراف الاخرى، ومن ثم كنت أتوصل تدريجيا، إلى النتيجة المنطقية وهي أن ما لم يبنى على أسس سليمة، وهذا لم يتوفر للأسف منذ البداية، لا يتمتع بالتالي بمواصفات النجاح والإستمرار.
فيما يلي سأتناول بعض القضايا والموضوعات الخلافية، التي يسبب عدم الإتفاق عليها إضرارا بالفعل المعارض ورأيي في هذه الموضوعات:
توصيف النظام والموقف منه
لم يوجد إتفاق على توصيف أو رؤيا موحدة في توصيف النظام بين أطراف القوى المعارضة. وقد يبدو أن هذا الأمر غير ذي أهمية كبيرة، طالما أن الجميع متفقون على ملامح النظام الديمقراطي الذي يبتغونه، لولا ما يستتبع ذلك من مواقف سياسية تستند إلى هذا التوصيف.
فعندما يصفه البعض بالشمولية أو الديكتاتورية أو الطائفية أو الفساد, أو كل هذه الصفات معا وفي نفس الوقت يرى فيه نظاما له مواقف وطنية وقومية مبدئية في قضية الصراع مع الصهيونية وعدم التفريط في الحقوق ويراه ممانعا في فرض الهيمنة الإمبريالية في المنطقة ودعم قوى المقاومة…الخ.
مثل هذه الرؤيا، كما سبق وذكرت، هي التي كانت تعطل وتكبل بشكل رئيسي إعلان دمشق وقادت في النهاية الى الإنقسام الذي حصل فيه في المجلس الوطني نهاية العام 2007. وشبيه بها أدى إلى أن يعلق الإخوان المسلمون معارضتهم على المسمار تضامنا مع إخوتهم في حماس، الذين يحظون أيضا بدعم النظام، ولإدراكهم فجأة بأولوية “القضية الفلسطينية”.
هذه الرؤيا وبحسب قناعتي، هي في خدمة النظام تماما، لأن النظام لا يضيره أن ينعت بالديكتاتوري أو الشمولي أو حتى الطائفي لا بل هو يريد ذلك. وإذا استتبع ذلك، رؤيته أو تصنيفه “من قبل المعارضة” في معارضة المشاريع الإمبريالية والصهيونية فلا شيء يفرحه كهذا، لأنه يصب مباشرة في خدمة آلته الإعلامية المأجورة والمنافقة، التي ما فتئت تروج لهذه الكذبة السمجة والسخيفة ولعقود طويلة.
أن المواقف السياسية للقوى التي تمثلت مثل تلك الرؤيا السابقة, ألحقت أضرارا كبيرة بالفعل المعارض ومن ثم، سواء ارادت ذلك بنفسها أم لم ترد، وضعت نفسها فعليآ خارج المعارضة الحقيقية للنظام. ولا أظنني أبالغ في القول، أن أفقها الفكري والسياسي هذا يؤهلها أكثر للدخول في جبهة النظام الوطنية التقدمية.
هناك طرف أخر يملك رؤية أخرى لا تصدق الآلة الإعلامية للنظام, بل تراه على حقيقته نظاما لا وطنيا ولا قوميا. نظاما يخون المصالح الجذرية للشعب السوري في سياسته الداخلية والإقليمية والدولية. تراه مستعدا للمساومة والإتجار بمصالح هذا الشعب سواء كان ذلك سابقا أوحاضرا ومستقبلا مع أي طرف إقليمي أو دولي يسعى الى توسيع دائرة مصالحه أو نفوذه، أو في القيام بأي دور إقليمي يتقاسم فيه النظام المصالح مع هذه الأطراف أيا كانت هذه الأطراف سواء كانت أسرائيل أو ايران أو تركيا وبغض النظر عن الأضرار، التي قد يلحقها بالشعب السوري أوشعوب المنطقة.
لكنها تقرن هذا التوصيف الصحيح بلا شك، بوصف النظام، بالنظام الطائفي أو نظام الطائفة. هذا التوصيف، حسب رأيي يفتقد الدقة وبعض الحساسية المطلوبة بهذا الشأن، لأن النظام لا يمثل الطائفة العلوية. وإن كان الأمر يتعلق بالممارسات الطائفية للنظام، فهنا يجب القول أن هذه الممارسات لا تخدم أبناء الطائفة وإنما تلحق بهم الأذى قبل غيرهم.
النظام في الواقع غير معني بالطائفة ولا برفع شأنها، وإنما كان ولا يزال معنيا بأن يسود الإعتقاد وخاصة لدى أبناء الطائفة بأنه نظامهم ويحكم لمصلحتهم، وهذا ما قامت بترويجه أجهزته الأمنية قبل غيرها وفي سبعينيات القرن الماضي، كي يتمكن النظام من كسب ولائهم المطلق له ومن ثم تعبئتهم وتجييشهم بأبخس الأثمان لصالحه وتكريس مبدأ فرق تسد في المجتمع السوري.
إن ممارسات النظام الطائفية لا يمكن ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تسمح لنا بالمطابقة بين النظام والطائفة، او تسميته بنظام الطائفة أو أن نكرس علاقة لا تنفصم بين النظام والطائفة، بل بالعكس، علينا أن نرفض مثل هذا الربط حتى النهاية مهما حاول النظام تأكيد ذلك.
مما سبق يتضح للقارئ تقريبا رؤيتي الشخصية في توصيف طبيعة النظام. فأنا أرى، وبغض النظر عن كيفية أو آلية صنع القرار في سوريا، ومن هم، وما عدد الأشخاص الذين تناط بهم هذه المهمة، والإرتباطات الداخلية والخارجية، التي تؤثر أو تتحكم في ذلك، فإننا بصدد نظام، لا أستطيع أن أتخيل قدرا أسوأ من الذي أتى به إلى سوريا وشعبها.
هذا النظام “توفق” في أن يجمع أسوأ ما لدى جميع الأنظمة دفعة واحدة في نظامه، فلم يعد يوجد نظام يسبقه بالإستبداد والإرهاب ومصادرة كل أنواع الحريات، ولا نظام يسبقه بالفساد المبرمج والممنهج ومن قمة الهرم حتى قاعدته، ولا نظام يسبقه بالكذب والنفاق والعهر السياسي، ولا نظام يسبقه في سرقة خيرات بلده ووضع اليد على جميع مقدرات البلد الإقتصادية وربطها بعصابته المافيوية، ولا نظام يسبقه في تنفيذ المهمات القذرة للأجندات الإقليمية والدولية المعادية، ولا نظام من أي مواصفات أخرى كان بإمكانه أن يمزق الروابط المجتمعية للشعب السوري ذي التقاليد الإنسانية والحضارية كما فعل هو، ولا نظام، وهذا أخطر ما في الأمر، كان بإمكانه أن يذل أو يستعبد الإنسان السوري أو يقتل القيم الإنسانية فيه كما فعل هو.
خلاصة ما أود الإشارة اليه في هذا الصدد، هو أن تكرار توصيفات للنظام من التي سبق ذكرها في بداية هذه النقطة، ما هو إلا إطراء في غير محله للنظام، لا يليق بمن يصف نفسه بأنه معارض، سواء كان فردا أو تنظيما.
وليسمح لي القارئ في نهاية هذه الفقرة، أن أسوق له على سبيل المثال، تجربة نظام شمولي في بلد أعيش فيه مدة أطول مما عشته في بلدي الام “تشيكيا، تشيكوسلوفكيا سابقا”. هذا النظام الشمولي عزيزي القارئ كان يضمن بالقانون حق الانسان، كل إنسان، بالعمل والسكن والرعاية الصحية الكاملة بما فيها أعقد العمليات والدواء مجانا، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، ولم يكن يوجد فيه متسول واحد أو إنسان بلا عمل أوسكن. وبعد سقوط هذا النظام نهاية عام 1989، لم تجر إدانة مسؤول واحد بجريمة رشوى أو إختلاس أو فساد من أي نوع.
كما لا يخف على أحد مثال الصين وهي الدولة الشمولية بإمتياز والتي مع شمولية نظامها، تحقق أعلى وتائر نمو إقتصادي في العالم، وأهم ما يميز نظامها الشمولي هو محاربته الصارمة للفساد، حيث تصل فيها عقوبة الفساد إلى الإعدام، و ليس فيها من هو فوق القانون. أذكر هذا ليس حبا بالنظام الشمولي وإنما كي لا يخدع الانسان السوري المسكين، عندما يوصف له بعض “المثقفين” نظامه بالإشتراكي والشمولي.




















