الحياة – 17/01/09//
بين ساعة وأخرى من ساعات الذّبح المصوّر على الشاشة الصغيرة في قطاع غزة، تستضيف القنوات الفضائية عسكرياً متقاعداً يأخذ في تقديم «شروح» مستفيضة عن رؤيته لمسار المعارك العسكرية على الأرض، والنتائج التي يتوقعها. ومن يتابع مثل تلك «الشروح» ستعود ذاكرته حتماً إلى الحروب السابقة وما قدّمه أولئك المحلّلون العسكريون العرب من «شروح» وتحليلات جاءت نهايات تلك الحروب لتكشف أنها كانت في واد والحروب ذاتها في واد آخر.
المشكلة في تحليلات كهذه أن أصحابها ينطلقون – غالباً – من رغبات وتمنيات أكثر مما ينطلقون من وقائع وموازين قوى حقيقية على الأرض، مع أن الحرب حقيقة مادية وليست مجرد فكرة يمكن تقليبها على وجوه تحتمل الأهواء.
اللافت أن القنوات الفضائية والمشاهدين، بل وبعض المحلّلين يتعاملون مع تلك الدقائق من ظهورهم على الشاشة باعتبارها تحصيلَ حاصلٍ، وإلا ما الذي يجعل قناة فضائية تلفزيونية تكرّر استضافة «خبير عسكري» أكثر من مرة، بل في كل حرب، على رغم من ثبوت بُعد تحليلاته عن الواقع؟
الشيء ذاته تمكن ملاحظته في التقارير الميدانية التي يقدمها مراسلو القنوات الفضائية العربية من ميدان المعركة في قطاع غزة. فمع الأهمية الكبرى لتلك التقارير في نقل صورة دقيقة لما يحدث على الأرض، نفاجأ بأن مذيع الاستوديو يعمد في كثير من الأحيان إلى توجيه أسئلة عسكرية للمراسل واستنطاقه كخبير عسكري، ما يوقع المراسل ذاته في ارتباكات كبرى.
المشاهد الذي يراقب بث القنوات الفضائية يطمح بالتأكيد إلى الحصول على المعلومة الدقيقة، الصادقة، والتي تعطيه صورة عما يجري، والمراسل الناجح هو من يقدم تلك التفاصيل بعدسة كاميراه، كما بسردياته للأحداث، ولا يعيبه أو ينتقص من أدائه أنه ليس عسكرياً متخصصاً ممّن يمكنهم «التنبؤ» بمسارات الحرب واحتمالات المعارك.
قبل سقوط العاصمة العراقية بغداد، غاص «محلّلون عسكريون» كثر في احتمالات وتوقعات خيالية للحرب، ولا أزال أتذكّر تلك المداخلة الواقعية و "المهنية" الدقيقة التي قدمها الفريق سعد الدين الشاذلي، والتي انطلق خلالها من خبرته ومن الواقعية والمهنية على حد سواء. لكنها في النتيجة أتت لتؤكد المثل الشعبي القائل ان حسابات الحقل نادراً ما كانت هي هي حسابات البيدر.
فماذا لو تدعونا نستمع الى المراسلين ونشاهد صور الأحداث، وتريحوننا من تحليلات لم تعد تقنع أحداً؟




















