في مصر يقول عامة الناس: "خيبة الأمل راكبة جمل". تقال عندما لا يدرك خائب الأمل ما حل به. ويواصل حياته على نحوه المألوف. كأن لم يحدث شيء!
منذ أيام، شهد كاتب هذه السطور "خيبة الأمل راكبة جمل". للمرة الأولى يشهد تجسيدا للمعنى أو
المعاني التي يختزنها الوصف العامي الدارج، في إيجاز نادر البلاغة.
كانت المناسبة "مهرجانا خطابيا" في القاعة الكبرى بمقر "الاونيسكو" في بيروت. المنظمون هم أنصار "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين" التي يقودها منذ أربعين عاما، أي منذ انشقاقها عن أمها الجبهة الشعبية للغرض ذاته أي تحرير فلسطين السيد نايف حواتمة. كان الغرض المعلن للمهرجان: التضامن مع أهل غزة الذين يتعرضون لما لا يجوز وصفه بأقل من "مذبحة" تعيد فيها إسرائيل تمثيل مشاهد المذابح التي تقول الحركة الصهيونية أن اليهود كانوا ضحايا لها على امتداد تاريخ أوروبا.
ما علينا، نعود إلى"مهرجان التضامن مع غزة". كونه "مهرجانا خطابيا" للمرء أن يتوقع من الخطابة أشكالا وألوانا. لكن من شهد خاب أمله من هذه الناحية؛ زيادة على نواحٍ أخرى أهم وأخطر. حيث اقتصر التنوع على أسماء الخطباء وأصواتهم ونبرهم. جميعا كرروا الكلام نفسه وعبروا عن الأفكار نفسها التي لا تحتاج إلى تكرار. لم يقترح أي منهم سبيلا عمليا للتضامن مع أهل غزة. بل إن الخطب المتتابعة حفلت بأشكال وألوان من الكلام الذي لا يوصف بأقل من "البذاءة"؛ الشهداء أرقام يتعامل الخطباء معها تعامل الأثرياء مع أرصدتهم في المصارف: كلما كبر الرقم، كان أدعى إلى الفخر والمباهاة. لم تراود ذهن أحد منهم أن كثرة الشهداء قد تكون مؤشرا إلى قصور التدريب وخطأ التخطيط وضعف الكفاءة. فتوعدوا أهل غزة والجمهور الذي "جلبوه" إلى القاعة، بأن أطفال غزة المذبوحين لن يكونوا آخر من يُذبح. فـ"العدو لا حدود لوحشيته وليس من يردعه". وكأن ردعه، ناهيك عن دحره، ليس وعدهم المعلن لشعبهم. و"الشعب لايبخل أبدا بالعطاء"، الذي هو نهر من الدم يعرف الفيضان ولا يساوره النضوب. هذا بلا شك، كلام قاسٍ، لكن الخطباء المتضامنين كانوا أقسى.
لم يعتذر أحد منهم للشعب عمّا عاناه تحت قيادتهم. لم يقل أحد منهم "سامحونا، فقد أخطأنا. حاسبونا. ونعاهدكم على ألاّ يتكرر الخطأ". كلهم كانوا على صواب دائما وسيبقون كذلك أبدا. هل ما يستدعي جرد السجل؟
وقع "ايلول الأسود" في الأردن ولم يقل أحد أنه أخطأ.
وقع "الخروج الفلسطيني الكبير"؟ من لبنان. ولم يقل احد أنه أخطأ.
اندلعت الانتفاضة الأولى التي كانت بشارة كبرى بأن المعركة تُخاض وتدور وتُحسم "على أرض الوطن"، لكنها ضاعت في خضم انشغال قادة المنظمات بحساب الموالين والمناوئين لدعم الأوائل بالأموال لاستزلامهم وضمان ولائهم؛ بينما لم يفكر أي منهم في دعم بذرة الاقتصاد الوطني الفلسطيني الذي كان ينشأ بفضل مقاطعة البضائع الإسرائيلية التي كانت من ركائز الانتفاضة. أحبطت الانتفاضة وأكل تراب الزعامات بذرة الاقتصاد الوطني فتسلمت إسرائيل سلاح المعابر الذي تذل به أهل غزة اليوم.
ولم يقل أحد أنه أخطأ. ثم لحقت بمصيرها الانتفاضة الثانية، التي أغرقتها "حمية" "حماس" في العنف مارسه ملثموها ضد الفلسطينيين الذين يتهمونهم بذنوب وخطايا لن يعرقل ارتكاب أفراد لها مسيرة "تحرير فلسطين". فأفسحوا مجالا للملثمين الصهاينة، بتغلغلون ويقتلون، بينما الناس لا يقدرون على تمييز وجه من وجه. حدث هذا باسم الإسلام. ولم يقل أحد أنه أخطأ.
أقنعوا الشعب بإيداع أمانيه الوطنية وآماله الوجودية في "اتفاق أوسلو"، ثم سايروا إسرائيل وشاركوها في تفتيته إلى أجزاء بل جزيئات حتى انتهى الحال إلى ما نرى: تراجعت "المطالب الوطنية " إلى تخفيض عدد ما من الحواجز الاسرائيلية على الطرق الفلسطينية وإلى فتح المعابر لتسهيل وصول "المعونات الإنسانية". يقال هذا في بيانات مشحونة بلغة المنتصرين ونبرهم (دونما إحساس بما تنطوي عليه عبارة "المعونات الإنسانية" من هوان)، وتقال مشفوعة بإنذار "من دون قيد أوشرط" فحق لمعلق عدو أن يسخر قائلا "كأن دباباتهم تحاصر تل أبيب".
و لم يشعر أحد بأنه مدين لشعبه بتفسير لما أوصلت "بطولة" قياداتهم و"حكمتها" شعبهم وقضيته. وحتى هذه اللحظة، لم يقل أحد أنه أخطأ.
عندما لاح طرف باهت من السلطة، استغرقهم تنازعه، حتى صار في ذلك الجزء من الوطن سلطتان وحكومتان تتنافسان، كل منهما في قمع أنصار الأخرى و لا تقبل واحدتهما مجرد التحدث إلى الأخرى، ولم يقل أحد أنه أخطأ.
حتى هذه اللحظة أيضا لم يخطر ببال أحد من المشغولين بتنظيم مهرجانات تمجيد الذات، أن يدعو إلى مؤتمر مهمته المراجعة والمحاسبة. فكلهم يعتقدون أنهم "أبطال معصومون" لا يسري عليهم ما يسري على الناس من مراجعة الخطو وإعادة النظر في الأفكار والقرارات. وأنهم مثل غيرهم من "البشر الفانين" يخطئون مثلما يصيبون والمحاسبة وانتقاد الذات هما السبيل إلى سواء السبيل.
تحدث الخطباء المفوهون عن الدرب الطويل إلى النصر. ولم يخطر ببال أي منهم أن مهمة القيادة الرشيدة هي تقصير الطريق. ولا يبدو أن أيا منهم يدرك أنهم – على العكس -أطالوه، حتى يطيلوا تنعمهم ببهاء البطولة. وحتى تطول
سباحتهم في نهر التاريخ الذي يظنونه مجرد زمن، لا أفعالا ومنجزات.
لم يتعلموا شيئا من العدو، الذي ينظم بعد كل انكسار ولو كان ثانويا، لجنة تحقيق تنشر خلاصاتها على الناس. بل إن جورج و. بوش نفسه، بكل ما تحله له القوة من صلف، أعلن أنه أخطأ في بعض الأمور.
يبدو أن "بطولتهم" و"حكمتهم" تجعلهم مستعصين على التعلم.
(صحافي مصري)
"النهار"




















