“السلام يُصنع مع الأعداء”. هذا الشعار غير المنطقي، الذي كرر نفسه مرة بعد اخرى وعلى نحو صارخ أكثر فأكثر عند “معسكر السلام” الاسرائيلي يجب ان يحل محله “السلام يُصنع مع المستبدين”. هذا الاستنتاج المؤسف مُلح ازاء الأحداث في مصر، لانه يوجد كثيرون يتساءلون هل سيثبت اتفاق السلام معها حتى لو أُبعد حسني مبارك عن السلطة؟
الحقائق القبيحة هي ان اتفاقي السلام اللذين وقعت اسرائيل عليهما حتى الآن، مع مصر ومع الاردن، وقعا مع المستبدين أنور السادات والملك حسين. وكذلك التفاوض الذي تم في فترة ما مع سوريا ومع منظمة التحرير الفلسطينية تم مع مستبدين سيئي الذكر. كل من اعترض ازاء مساري السلام هذين سمع عبارة ان “السلام يُصنع مع الأعداء”.
لو كان لاسرائيل حرية اختيار لهبت بطبيعة الامر الى صنع سلام مع جارة ديموقراطية. لكن هذا لم يكن امكانا واقعيا منذ نشأت الدولة. والسؤال الذي يسأله اسرائيليون كثر الآن هو هل اذا حل محل نظام مبارك حكومة انتُخبت انتخابا ديموقراطيا ستستمر مصر على احترام اتفاق السلام مع اسرائيل؟
حتى لو كان تخلي اسرائيل عن الارض قد عُد عنصرا مركزيا في كل اتفاق سلام مع جاراتها فقد كان لاسرائيل مطلبان جوهريان عُدا شرطين ضرورين في التفاوض: الاول أن لا تستطيع موقعة اتفاق سلام مع اسرائيل بعد التوقيع ان تطلب اليها اراضي اخرى بعبارة اخرى سيكون اتفاق السلام مع اسرائيل نهاية المواجهة. والثاني ان يكون لزعيم الدولة الموقعة على الاتفاق القدرة على ان يكافح بشكل فاعل نشاطا ارهابيا معاديا لاسرائيل.
يستطيع كل مستبد ان يقدم هذين الشرطين اذا شاء ذلك بلا صعوبة. ويستطيع اصراره على ان المواجهة مع اسرائيل قد انتهت أن يصبح هو الخطاب العام السائد. ويمكن ان نثق ايضا بأن الشرطة وقوات الأمن التي يملكها الزعيم ستقمع كل نشاط ارهابي قد يوجه الى اسرائيل.
وفت مصر السادات ومبارك بهذين الشرطين. وكذلك اردن الحسين وابنه عبد الله. وقت مفاوضة الاسد وعرفات قدروا في القدس وبحق ان يفيا هما ايضا بالشرطين. فهما بعد كل شيء مستبدان أثبتا في عدد من الفرص انهما قادران على الامساك بقوة مطلقة عندما أرادا. وفي نهاية الامر لم تستجب حكومة اسرائيل لمطالب الاسد المتعلقة بالاراضي ولم يكن لعرفات أي نية لانهاء المواجهة.
لم تصرّ حكومات اسرائيل قط على أن تُجري تفاوضا مع حكومة عربية ديموقراطية فقط. ومن شبه المؤكد ان الافتراض غير المُعبر عنه قد كان ان المستبد أسهل عليه ان يفي بمطالب اسرائيل وان هذا سيكون غير ممكن لحكومة ديموقراطية.
اذا كان الامر كذلك فما هو الوضع الآن بالنسبة لمحمود عباس؟ هل له السلطة والقدرة على انهاء الصراع الاسرائيلي الفلسطيني؟ إن كل نظر واقعي الى مكانة عباس عند السكان الفلسطينيين في يهودا والسامرة وغزة يفضي الى استنتاج انه غير قادر على الوفاء بشروط اسرائيل. والدليل الأبين على ذلك حقيقة انه لا يتحدث باسم سكان قطاع غزة الذين تحكمهم حكومة حماس “الديموقراطية”. ومكانته في يهودا والسامرة ايضا مضعضعة. وفي شأن قمع الارهاب الموجه الى اسرائيل، لا شك في ان عباس غير قادر على التزويد بالأمن في هذا المجال.
برغم انه يجتاز امتحان الادارة الديموقراطية في صعوبة، هل نفضل نظام حكم فلسطينيا مستبدا؟ هل نتمنى هذا للفلسطينيين؟ يبدو ان الامتحان الاول لتأثير النظام الديموقراطي في العالم العربي في المسيرة السلمية سيأتي من مصر. لننتظر في توتر ولنرَ ماذا تكون نتائج هذا الامتحان اذا وُلدت ديموقراطية حقا في مصر.
(“هآرتس” )
النهار”




















