في يوم الثلاثاء المصادف لـ 2 من شباط/فبراير 1982 اتجهت ألوية من الفرقة الثالثة (التي كانت بإمرة اللواء شفيق فياض) في الجيش السوري وبأمر الرئيس حافظ الأسد (القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة) إلى مدينة حماة وسط البلاد، بالإضافة إلى اللواء 124 المدرع والفرقة الانتحارية 22 التابعين لـ”سرايا الدفاع”، بالإضافة إلى قوات من “الوحدات الخاصة” والفوج 114 من مدفعية الميدان،
وفيما حاصر المدينة اللواء 47 المدرَّع المدينة، توجَّه اللواء 21 الميكانيكي الثالث مساء ذلك اليوم بقيادة العقيد “فؤاد اسماعيل” (وهو اللواء الذي كان قد استخدم لقمع مدينة حلب وارتكب العديد من المجازر فيها سنة 1980)، إلى المدينة بحجة إخماد حركة احتجاج وعصيان مسلح قام به تنظيم الطليعة المقاتلة، وتحت أمرة الحاكم العرفي لحماة رفعت الأسد (الذي سبق وتم تعيينه آمراً عرفياً لمناطق حلب وحماة ودمشق في أيلول/سبتمبر 1981) وارتكبت القوات أفظع مجزرة عرفهتا المنطقة في التاريخ، فقد اقتحم مجندو اللواء 21 البيوت بأعداد كبيرة، وفي صباح الـ 3 من شباط/فبراير دخلت عشرات الدبابات ومعها القوات الخاصة التي كانت متمركزة على أبواب حماة (قرب سد محردة)، إضافة إلى مجندو سرايا الدفاع التابعين لرفعت الأسد.
وطوال 26 يوماً تم قصف المدينة بالدبابات والمدفعية الثقيلة، وتم تفجير البيوت بساكنيها، وإبادة عائلات كاملة بمجازر مروعة، ومورس القتل الجماعي والتنكيل بالسكان المدنيين، والإبادة المنظمة، وأطلقت يد الجنود بالنهب والاغتصاب على نطاق واسع بالنساء، الأمر الذي أدى إلى حالات انتحار جماعي بأسكال مختلفة، كان جزءاً من التنكيل يفوق خيال البشر فقد ألقي مئات الأطفال الرضع من شرفات المنازل أو أطلقت عليهم نيران الرصاص الحي، ومنع الأهالي من دفن جثث أحبائهم التي بقيت في الطرقات لأسابيع أمام أعينهم، وبالرغم من أن مقاومة الأهالي توقفت في الـ20 من شباط/فبراير إلا أن ذلك بدلاً من أن يوقف جحيم المجزرة وحمامات الدم، دفعهم إلى مزيد من القتل والسفك المجاني لدماء المزيد من الأبرياء، كان رجال الدين والنساء والأطفال أبرز الضحايا للأيام التالية.
وفي الـ 26 شباط/فبراير اعتقلت القوات ما يزيد عن 1500 مواطناً سورياً من المدينة المنكوبة، وتم سوقهم إلى جهات مجهولة، ويُعتقد أنه تم الإجهاز عليهم في مذبحة جماعية قرب المدينة، في حين اقتادت اعتقل الآلاف من الجمويين وزجوا في السجون ليصبح مصيرهم مجهولاً إلى اليوم مع أكثر من 17000 ألف مواطناً سورياً تم إخفائهم قسرياً في السجون، والذين ـ وفقاً للعديد من الشهادات والاعترافات لبعض الرسميين ـ تمت تصفيتهم على شكل إعدامات جماعية منظمة في السجون العسكرية، وبشكل خاص سجن تدمر، الذي موست فيه جريمتي إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية استمرت لأكثر من عشر سنوات، تحت إشراف المخابرات العسكرية وبإشراف وزير الدفاع مصطفى طلاس وقادة المحاكم الميادانية بينهم بشكل رئيس اللواء غازي كنعان واللواء سليمان الخطيب.
لم تنته المجزرة إلا في يوم الـ 28 التي استخدمت فيها 248 دبابة و108 مدافع و248 منصة لإطلاق الصورايخ جو-أرض، وعدد من الجنود يتجاوز الـ25 ألف، وحصار تام للمدينة من ثلاثة أطواق، وتعتيم إعلامي كامل كانت حصيلتها عشرات الألوف من المدنيين الأبرياء، وأصر حافظ أسد على عد السماح بترميم المدينة لعشر سنوات لتبقى نموذجاً لعقاب المعترضين على سلطته.
إن اللجنة الوطنية للمفقودين في السجون السورية تدعو إلى تحقيق دولي جاد ومسائلة الحكومة السورية، وتطالب بالضغط على الحكومة لإجراء تحقيق شفاف لإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين في محاكمات علنية، وفي الوقت نفسه تعتبر اللجنة أنه من الضروري والمُلحّ ملاحقة المسؤولين المباشرين عن المجزرة في المحاكم الأوربية، وعلى رأسهم الجنرال رفعت الأسد، والعماد طلاس الذي كان وزيراً للدفاع. وتدعوا السوريين لإبقاء ذاكرتهم حية عن هذا الحدث الرهيب، فالمستقبل لا يتكون إلا بتسوية الماضي بشكل حازم، ودمائهم لا يجوز التفريط بها دون مسائلة وعقاب.
وتعتبر اللجنة بأن الإصرار عدم التعامل الرسمي والانفتاح على هذه المجزرة المهولة التي مازال يعيش الشعب آثارها إلى اليوم يؤدي إلى مزيد من الاحتقان، خصوصاً وأن المجزرة ارتكتب تحت مظلة طائفية وبإدارة ضباط ينتمون إلى الطائفة العلوية. كما تدعو اللحنة الوطنية للمفقودين في السجون السورية إلى عدم تحميل الطائفة العلوية (التي ينحدر منها القادة الميدانيين للمجزرة) مسؤولية هذه المجزرة.
وتشير اللجنة إلى أن المآسي الإنسانية التي خلفتها المجرزة تحملتها المرأة الحموية بشكل رئيس باعتبارها أماً أو زوجة أو شقيقة، وتدعوا المنظمات النسائية والحقوقية للتحرك في المحافل الدولية على هذا الأساس.
اللجنة الوطنية للمفقودين في السجون السورية
1 شباط/فبراير 2011
“الرأي”




















