على نحو مفاجئ انهالت التصريحات والمواقف الإسرائيلية المرحبة بالمبادرة العربية للسلام والمستعدة لاعتبارها أساساً أو قاعدة لعملية التسوية والمفاوضات العربية – الإسرائيلية. وزير الدفاع ايهود باراك قال للإذاعة العسكرية أن إسرائيل تدرس المبادرة بجدية وانه ناقشها مع تسيبي ليفني ووجد لديها انفتاحاً لاستكشاف أي مسار بما في ذلك هذا المسار، وأسهب باراك في شرح خلفيات هذا الموقف المفاجئ فقال انه في ظل غياب أي تقدم على المسارين التفاوضيين الفلسطيني والسوري فقد حان الوقت للبحث عن صفقة سلام شاملة.
أما الهدف النهائي من ذلك فيتمثل بحسب تعبيره في احتواء طموحات إيران النووية والحد من نفوذ «حزب الله» في لبنان وحركة «حماس» في قطاع غزة، أما تسيبي ليفني فهي ليست فقط منفتحة تجاه استكشاف مسارات السلام فقد قالت بحسب صحيفة «معاريف» في اجتماع مغلق لقيادة «كديما» غداة فوزها بالانتخابات أنها رحبت بالمبادرة السعودية بمجرد الكشف عنها في مقال الصحافي الأميركي توماس فريدمان نهاية 2001، وقبل أن يتم تبنيها من قبل القمة العربية في بيروت في آذار (مارس) 2002، وتضيف «معاريف» ان ليفني تتحفظ فقط على بندي حق العودة للاجئين والجدول الزمني للمبادرة وتحديداً الربط بين الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة والتطبيع مع الدول العربية.
وكما هي العادة فقد جاء الموقف الإسرائيلي الأكثر وضوحاً من منظّر التسوية وفيلسوفها الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز الذي شرح على طريقته خلفيات وأهداف الموقف الإسرائيلي المستجد، وقال أثناء لقاء له مع الزعيم الروحي لحزب «شاس» عوفاديا يوسف «من الخطأ إجراء مفاوضات منفردة مع السوريين والفلسطينيين، على إسرائيل التوقف والذهاب نحو اتفاق سلام إقليمي مع الدول العربية وجامعة الدول العربية، في المفاوضات المنفردة تدفع إسرائيل الكثير وتحصل على القليل فيما في مفاوضات مع العالم العربي سيكون بالإمكان الحصول على ضمانات والتوصل إلى صفقة شاملة، يجب أن نمد يدنا إلى جميع الدول العربية على أساس مبادرة سلام العربية وعدم إهدار طاقة ووقت في مسارات منفردة لأننا حتى الآن دفعنا ثمناً دولياً للرئيس السوري بشار الأسد ولم نحصل على شيء في المقابل».
غريبة ومفاجئة جداً المواقف الإسرائيلية السابقة الذكر فإسرائيل أصرت تاريخياً على مسارات منفردة للسلام ورفضت أي ربط بينها، ناهيك عن مفاوضات موحدة مع الدول العربية والجامعة العربية، فما الذي جرى لكي تغير موقفها إلى هذه الدرجة؟ الإجابة يمكن الحصول عليها عبر قراءة دقيقة لتلك التصريحات المفاجئة مع وضعها في سياقها السياسي وكذلك في سياق التغييرات العميقة التي عصفت وما زالت بالمنطقة والعالم.
باراك وبيريز اقرّا بفشل مفاوضات السلام المنفردة مع السوريين والفلسطينيين في تحقيق أي نتائج وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن ثمة تاريخاً مستهدفاً من اجل التوصل إلى اتفاق نهائي على المسار الفلسطيني نهاية العام الجاري 2008 فسنجد أنفسنا أمام محاولة إسرائيلية استباقية لاتهام آليات أو أطر عملية التسوية بدلاً من إلقاء التهمة على عاتق إسرائيل التي ترفض حتى الآن – تقديم الحد الأدنى اللازم والضروري من أجل التوصل إلى سلام نهائي سواء على المسار الفلسطيني أو حتى على المسار السوري، طبعاً يصعب تصور إلقاء تهمة الفشل على الرئيس محمود عباس في ظل قناعاته ومواقفه المعلنة تجاه المفاوضات واتفاق السلام.
وليس بعيداً من المعطى السابق شرعت إسرائيل منذ الآن في دراسات وبحوث وقراءات متعددة الأبعاد تحسباً لفوز باراك أوباما في الانتخابات الأميركية المقبلة واحتمال مبادرته بحسب التفكير الواقعي والوسطي السائد في أوساط النخبة السياسية الأميركية (تقرير بيكر – هاملتون) إلى تقديم مبادرة أو حتى تبني ومحاولة إحياء المبادرة العربية. تريد إسرائيل منذ الآن القول أنها لا تمانع الأمر ولكن شرط التعاطي مع المبادرة كأساس أو قاعدة للتفاوض.
أمر آخر يمكن ملاحظته في تصريح ايهود باراك مفاده ان إسرائيل تخشى من التقدم المطرد لما تصفه بالمحور المتطرف أي محور «حماس» و «حزب الله» وسورية وإيران، وهى لا تخفي نيتها وسعيها لعزل هذا المحور أو على الأقل تحجيمه وإضعافه وتعتقد – وهذه نظرية شائعة وقديمة في إسرائيل – ان تفاوضاً جماعياً مع الدول العربية كفيل بتحقيق هذا الأمر كما أنه كفيل كذلك بالضغط على الفلسطينيين وتحديداً في القضيتين الأكثر تعقيداً وحساسية وهما القدس واللاجئين بحسب القناعات الإسرائيلية فإنه يستحيل التوصل إلى حل من دون تدخل عربي وإسلامي فاعل ومن دون تنازلات فلسطينية يتم تغطيتها عربياً وإسلامياً.
بدت لافتة جداً إشارة بيريز الى المفاوضات السورية – الإسرائيلية غير المباشرة وقوله أنها حققت فائدة اكبر لسورية مقارنة بما جنته إسرائيل، كان بيريز يسعى هنا لاستغلال الخلافات العربية الداخلية ويحاول القول أن المفاوضات الشاملة ستؤدي إلى منفعة أكبر لإسرائيل والدول العربية أيضاً كما أنه يلمح الى استغلال الخلافات العربية – العربية للتفاوض وحتى التوصل إلى اتفاقات متعددة عبر ممارسة اللعبة التقليدية أي لعبة المسارات ولكن ليس ضمن إطار ثنائي وثلاثي وإنما في إطار متعدد وجماعي.تفضح المواقف الإسرائيلية نفسها ولا تخفي النية في التطبيع مع الدول العربية قبل التوصل الى اتفاقيات سلام نهائية والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. ليفني تعبر مباشرة عن ذلك كما أن تبنى المبادرة العربية كأساس أو قاعدة للمفاوضات يعنى أن إسرائيل تحاول إدخال تعديلات أو التفاوض من جديد على بعض بنود المبادرة واستدراج الدول العربية الى ذلك ما قد يؤدي إلى أولوية التطبيع والعلاقات على الانسحاب من الضفة الغربية والجولان ومزارع شبعا.
حسناً فعل الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى عندما أعلن أن فكرة تعديل المبادرة غير واردة وان ذلك وحده لا يكفى فلا بد من وضع جدول زمني حاسم ونهائي لإسرائيل لمرة واحدة وأخيرة، وليكن في نهاية العام 2009، على أن يتم الاجتماع بعد ذلك، ليس لسحب المبادرة فقط وإنما لبلورة الخيارات الأخرى وأهمها دعم الخيار أو الخيارات البديلة التي سيتبناها الفلسطينيون في حال فشل المفاوضات وكما أشار أحمد قريع في باريس منذ أيام، العودة الى المقاومة بمختلف آلياتها وبشكل جماعي أو لخيار الدولة الواحدة الديموقراطية لكافة مواطنيها على كامل ارض فلسطين التاريخية.
- مدير مركز شرق المتوسط للدراسات والإعلام.
"الحياة"




















