ربط غير مراقب ومحلل بين توقيت الهجوم الإسرائيلي على غزة والأيام الفاصلة بينه وبين تسلم الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما لمهامه بصورة رسمية، أملاً من القيادة الإسرائيلية بفرض وقائع ومعطيات ميدانية وسياسية يمكن توظيفها في تحقيق شروطها ومراميها في حال تم تحريك ملف المفاوضات على الصعيد الفلسطيني ـ الإسرائيلي في عهد الإدارة الجديدة.
وقد أعطت تصريحات أوباما الأخيرة التي أعرب فيها عن "قلقه العميق" إزاء الوضع في غزة، وألمح بأن لديه الكثير ليقوله في هذا الشأن، متحدثاً عن استعداد إدارته للانخراط فورا في التعامل مع هذا الوضع فور توليه لمسؤولياته، جرعات إضافية من الآمال التي علقها كثيرون عليه، في أن يقود عملية التغيير في مجمل السياسة الخارجية الأميركية، وخصوصاً في ملف الصراع الشائك والمعقد في المنطقة، والذي يواجه عقدا تكاد تستعصي على أي حل في ظل موازين القوى المختلة وغير المتوازنة القائمة.
ولكن، ما الذي يمكن توقعه أو المراهنة عليه فعلاً، لدى الإدارة الجديدة تجاه أزمة المنطقة؟ وإذا كان ثمة ما يوحي بإيجابية ما في هذا الشأن، فهل كان لدى "حماس"، هي الأخرى، تعويل على الحاجة لـ"تسخين الوضع"، من منطلقات وأسباب مغايرة ومعاكسة للمنطلقات والأسباب الإسرائيلية، من خلال إقدامها على اتخاذ قرار وقف التهدئة، ربما بهدف حث الإدارة الأميركية الجديدة، مثلاً، على التصدي العاجل لهذا الملف، وعدم تركه خاضعاً لترتيب قائمة الأولويات لديها؟
في الشق الأول للسؤال السابق يصعب على المرء أن يجد سندا قويا لإمكان المراهنة أو التعويل على الإدارة الجديدة، في ظل الأسماء التي باتت معروفة لشغل المناصب الرئيسية في إدارة أوباما، فواحدة مثل هيلاري كلينتون والتي منحت موقع كبير الدبلوماسيين في الفريق الجديد، تصنف على أنها أحد المناصرين الأقوياء للوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، وتتبنى رؤية أكثر تأييدا لإسرائيل، في ضوء تصريحاتها ومواقفها المعلنة. وحتى الآن لم يعرف الشخص الذي سيتولى ملف الشرق الأوسط كمبعوث خاص للرئيس، وكل واحد من الأسماء المتداولة يطرح درجة مختلفة من الأمل والتفاؤل، الذي يقل أو يكثر، تبعا لهذه الجهة أو تلك، ولهذا التقدير أو ذاك!
بيد أن المراهنين ينوهون بأن ثمة مبادئ، أعلنها أوباما خلال حملته الانتخابية، سوف لن يتخلى عنها ومنها "العودة إلى الدبلوماسية الواقعية، وأهمية الحوار، والالتزام بتحقيق السلام على جبهة الصراع العربي ـ الإسرائيلي".
ويشير أشد المتفائلين إلى أن إدارة أوباما تعكف على استخلاص النتائج والدروس من السياسات الأميركية التي انتهجتها الإدارات الأميركية المتعاقبة تجاه ما يسمى بـ"عملية السلام في الشرق الأوسط" استناداً إلى دراسة أجراها فريق من المتخصصين والخبراء، بينهم مسؤولون سابقون في الإدارات الأميركية ممن انتقدوا السياسة الأميركية في تأييدها المستمر والمطلق لإسرائيل على حساب مصالح الأمن القومي الأميركي، وينتقد بعض هؤلاء، وفقاً لمصادر صحافية أميركية، موقف إدارة الرئيس كلينتون، من محادثات كامب ديفيد، عام 2000، حين جرى تحميل مسؤولية فشل المفاوضات للجانب الفلسطيني، بينما كان المطلوب هو الضغط على إسرائيل للقبول بالمطالب الفلسطينية، كما بات يرى هؤلاء المسؤولون.
وفي الواقع فإن إدارة أوباما مطالبة بالكثير، في حال كانت معنية بتحسين الصورة المشوهة والقاتمة للسياسات الأميركية المتبعة في المنطقة، والتي أوصلتها إدارة بوش المنتهية ولايته إلى درك غير مسبوق من الرفض والكراهية. وبات من الضرورة والإلحاح الآن المبادرة إلى اتخاذ خطوات عملية عاجلة للتعامل مع وضع يؤول إلى مزيد من التعقيد والتشابك، على نحو قد يجعل من الصعوبة بمكان بقاء واستمرار فرص المراهنة على حل يقوم على بناء دولتين مستقلتين ومتجاورتين، فلسطينية وإسرائيلية.
أما بالنسبة للشق الآخر من السؤال، فإن الدماء التي تسيل في غزة، قد تدفع إدارة أوباما فعلاً، إلى استعجال التدخل والبحث عن حلول للعقد المستعصية في الصراع الدائر، ومنها وقف العدوان ورفع الحصار عن غزة وفتح المعابر، ولكن من يضمن أن ذلك سيتخطى الجانب الإنساني والأخلاقي للوضع القائم، على أهميته طبعاً، ليصل به إلى الاندراج في سياق البحث عن حل نهائي لمشكلة الاحتلال، بما يكفل إعادة الأراضي والحقوق إلى أهلها، ويضمن بناء الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة على كامل الأراضي المحتلة في حرب حزيران 1967. وعلى نحو ينهي الانقسام الحاصل بين الضفة والقطاع.
وجاهة التساؤل تتأتى من أن الحرب الدائرة تبدو وكأنها ستزيد في الانقسام الفلسطيني والعربي القائمين أصلاً، وهو ما يعني في المحصلة مزيداً من الاختلال في موازين قوى عربية وإقليمية، مختلة أساساً، لمصلحة إسرائيل. فكيف والحالة هذه ستضطر إسرائيل إلى الانصياع إلى مطالب واستحقاقات بناء الدولة الفلسطينية المستقلة، في ظل وقائع ومعطيات باتت تنبئ بأنها تماطل وتسوف في ذلك لأنها ترفض الفكرة من أساسها، وتسعى إلى فرض سيناريوهات بديلة، أخذت تلوح مجددا، وحذرت منها بعض العواصم العربية، قد لا تكون الحرب على غزة سوى مقدمة لها!!
يصح الافتراض، كما أعتقد، بأن واقع الانقسام الفلسطيني والعربي، يشكل أحد أهم الشروط المساعدة في تحقيق هذه السيناريوهات المتداولة!!.
"المستقبل"




















