إن الاسئلة المطروحة علينا في موضوع الهوية والانتماء، لا سيما في ظل العولمة، تشكل تحديات يجب ان نواجهها لا من موقف الخائف من الآخر المختلف دينياً، ولا من موقف ردة الفعل العفوية، ولا من موقف المنبهر بالغرب، ولا من موقف المعقد من الغرب والمعادي له بالمطلق، ولا من موقف المنغلق على الذات والمتعصب، ولا من موقع النرجسي، ولا من موقع تبسيطي اختزالي، وغير ذلك… بل من موقع الوعي، والحس النقدي للذات وللآخر، من موقع الثقة بالذات والتواضع في آن، من موقع جدلي.
وهنا، أضع مسألة الهوية والانتماء في ظل صراع العدالة والتراث، أو المجتمع المعولم والمجتمع التقليدي. وأبدأ بالقول: التطرف لا يؤدي الى أي حل. بالتالي، فالقول، مثلاً، بأن العولمة هي جحيم هو قول متطرف. والقول بأن العولمة هي الفردوس الموعود هو أيضاً قول ساذج ومتطرف.
هنا، وفي اشكالية الحداثة والتراث، نلتقي بموقفين متناقضين وبالتباس حول مفهوم الآخر. الموقف الاول هو موقف الدفاع عن الذات بالهجوم.
هذا الموقف هو الذي وقفه بعض مثقفينا في عصر النهضة العربية ـ وما زال بعضنا يقفه اليوم ـ حول علاقتنا بالغرب، وبعبارة أكثر شمولاً حول علاقتنا بما سمي ويسمى اشكالية "الحداثة" و"التراث". وهو موقف واحد من ثلاثة:
الاول رأى في اجتياح الحداثة لعالمنا التقليدي خطراً مميتاً، وتغريباً عن الذات، فراح يهاجم الحداثة، رافضاً كل مضامينها وأشكالها وأساليبها وقيمها باسم الاصالة والهوية الثقافية الذاتية، الفردية والجماعية.
اما الثاني فقد وقف حيال الحداثة الغربية موقف المنذهل، ودعا الى تبني اطروحات الحداثة هذه، معتقداً انه، بذلك، يتخلص من تخلفه. صاحب هذا الموقف يتغرب عن تراثه وثقافته ومحيطه و"يتغربن" معتقداً انه، بذلك، يرتقي في سلم الحضارة والتقدم.
أما الموقف الثالث فقد رفض قيم الحداثة، والفلسفة التي بنيت عليها، وقال بأنه يحب "الاستعارة" أي استعارة تقنياتها فقط. هذا الموقف الوسط بين الموقفين الآخرين هو عموماً موقف غير واقعي. هو غير واقعي لانه يفصل تماماً ما بين فلسفة الحضارة الغربية الحديثة والتكنولوجيا التي تنتجها تلك الحضارة. في الواقع، لا يمكن للمرء ان يستخدم تكنولوجيا متطورة وحديثة دون ان يعتنق الى حد ما فلسفة هذه التكنولوجيا.
وإزاء موقف الدفاع عن الذات بالهجوم نجد موقف الدفاع عن الذات بالانغلاق خوفاً من الآخر.
هذا الموقف ينطلق من قاعدة الخوف، والاحساس بالهامشية، وبالتالي التقوقع، والانعزال. إن الاحساس بالهامشية يتلازم، في معظم الاحيان، مع الشعور الحاد بالوضع "الاقلوي"، وبالتأكيد على "الخصوصية".
وهكذا فإن من يعيش هاجس الاقلية يخاف. يخاف من "الآخر" الآخر الحقيقي، وأحياناً كثيرة الآخر المتوهم. يخاف من الآخر الذي يتمتع بموقع "الاكثرية"، فيتحصن في قلقه، دفاعاً عن الذات، أي في "غيتو"، وينعزل. ويبرر انعزاله هذا بأنه دفاع عن خصوصيته، وتراثه، وأصالته، فينققطع عن التفاعل مع الآخرين، ولا يعود يشترك في عملية البحث مع الآخر في ايجاد الحلول لمسائل، مثل: الاكثرية والاقلية وعلاقتهما بالمساواة والمواطنة. وأيضاً: المعاصرة او الحداثة والتراث، وعلاقتهما بالاصالة والحضارة المعاصرة.
أصحاب هذا الموقف، عموماً، يعيشون الهجرة. الهجرة في التاريخ والجغرافيا. الهجرة في التاريخ، حينما يتعلقون بتراثهم، تعلقاً مفرطاً، وكأنه ذخيرة فريدة إذا ما تعرضت للشمس ذابت. كما ان الهجرة في التاريخ هي أيضاً التمسك المفرط والعنيد واللاواقعي بما سمي "العصر الذهبي". لا شك ان لكل حضارة عصرها الذهبي. لكن ذلك لا يعني ان أبناء العصر الحديث باستطاعتهم ان يعيدوا عصرهم الذهبي. وحتى لو قلدوا ذلك العصر فإنهم يفشلون لأن لكل شيء ظروفه التي تسمح بأن يكون كما هو كائن.
والهجرة في الجغرافيا، هي التقوقع في المكان. والمكان هنا يتشكل من طائفة، وهي تجسيد سوسيولوجي لهوية دينية بتعبيراتها الثقافية الخاصة. هذا الموقف يتعامل مع الهوية والانتماء بمنطق الحراسة، الامر الذي يجعله يخسر ما يريد المحافظة عليه. الهجرة في الجغرافيا قد تحول من يقوم بها الى التقوقع في "غيتو" يفصله عن الآخرين ويميزه عنهم ويؤدي هذا الفصل الى خلق شعور إما بالاقلية أي بدونية (مركّب النقص) وإما بالنخبوية والغيرية التي يرافقها (مركّب الاستعلاء).
وأخيراً، وجرّاء هذين الموقفين المتناقضين، نلتقي بالتباس حول مفهوم الآخر قد يرتكز عليه الموقفان. إن مسألة "الآخر" في علاقتها مع "الذات" يمكن ان تحتوي على التباسات عديدة. من تلك الالتباسات:
إن "الآخر" يكون في معظم الاحيان "صورة" عن الآخر. ولكونه صورة، فقد تكون تلك الصورة مشوَّهة، وبعيدة كل البعد عن الآخر الواقعي والموضوعي. كما ان صورة الآخر، لأنها مرسومة من "الذات"، فقد تتعرض معالمها الى الاختزال والطمس.
وإن عملية الاختزال والطمس تساعد على "التنميط". ولا بد من أن يحتوي التنميط على قدر كبير من التجريد. ومن منا لا يقع في فخ تنميط الآخر بشكل تجريدي ومختزل، كأن يقول مثلاً: المسلمون هم كذا والاسلام هو كذا وكذا، والغرب هو كذا وكذا، والعربي هو كذا وكذا، إلخ… وننسى ان ذلك يقودنا، واقعياً، الى "جهل الآخر" فيما نعتقد اننا نجحنا في حصره، وتحديده، ووصفه، ومعرفته.
وهكذا نحشر الآخر في غيريته، وبشكل يؤدي الى التمايز والعنصرية، أو الى الاقصاء والاستبعاد.
ويبقى موقف الوسط الديالكتي، أي الجدلي، خير المواقف!
"المستقبل"




















