الكتابة عن التظاهرتين اللتين حملتا شعار “إسقاط النظام الطائفي” اللبناني واللتين شهدتهما “بيروت الكبرى” تباعا في منطقتين مختلفتين منها بعد ظهر الاحد المنصرم والاحد قبل المنصرم… كتابة ضرورية احتراما لبضع مئات من الشباب وبضعة آلاف من المخضرمين الذين شاركوا فيهما:
الاحترام بمعنى السعي للتفكير العلني في الشأن السياسي الذي تثيرانه حتى لو كان “المراقب” فتى أو مخضرما كما هي حالي، غير مؤمن بامكانية هذه الحركات ان تؤدي الى أي نتيجة جادة ضد النظام الطائفي. ضد هذا النظام الطائفي الذي يعيش أقوى مراحل تاريخه الممتد منذ العام 1920 ورسميا منذ العام 1926 تاريخ بدء العمل بالدستور.
يعتقد بعض مواطنينا اللبنانيين – وتحديدا بعض المثقفين – ان هذا النظام يعيش مأزقا عميقا يجعله مفلسا وعلى شفا الانهيار. وجوابي هنا أنهم في هذا التوصيف يخلطون بين مأزق النظام ومأزق الدولة، أو بين مأزقية النظام ومأزقية الدولة. الذي “يفلس” سياسيا (وربما اقتصاديا) هو الدولة لا النظام، ومصدر الالتباس اعتبارهم ان ضعف الدولة هو دلالة على ضعفه.
إنه نظام قوي مدرّب وخبير في ادارة دولة ضعيفة. ولديه دائما حل استراتيجي لمعضلته حين لا يعود ممكنا له ان يدير دولة موحدة. الحل يعرفه بل عاشه عدد من الاجيال اللبنانية في التسعين عاما التي مضت على ولادة الكيان اللبناني “الكبير”: انه حل الحرب الأهلية.
لكن هذا النظام الطائفي الذي حاول مرارا، أو الأدق قادت بعض أجنحته المسيحية في الثلاثينات ثم بشكل أشمل في العهد الشهابي بين أواخر الخمسينات ومنتصف الستينات من القرن العشرين محاولات لتحسين نمط ادارته للدولة سيبلغ أقوى أيامه كنظام طائفي في زمن الثنائية – التي أصبحت متصارعة – السنية الشيعية، ومعها ستبلغ الدولة أضعف أيامها بالمقابل.
عناصر قوة النظام المتزايدة واضحة: حزب كبير ممتد على مستوى الطائفة بشكل غير مسبوق، لا سيما عند الشيعة والسنّة والدروز حيث السيطرة شبه مطلقة. سيطرة الاحزاب الكبيرة على القرار المالي في القطاع العام، سيطرة غير مسبوقة للأحزاب الكبيرة – بما فيها نسبياً عند المسيحيين – على النخب الادارية والأكاديمية والقضائية والعسكرية داخل أجهزة الدولة، وأهمها في الادارة والقضاء والجامعة اللبنانية والقوى الامنية – اقتصاد مواز يقوم على دعم مالي خارجي لا سيما في الحالتين “النموذجيتين” للحزب الحريري و”حزب الله”… يترافق كل ذلك مع متغيرات عميقة في السوسيولوجيا اللبنانية على مدى العقود الثلاثة الماضية تجعل لهذه السيطرة مرتكزاتها الشعبية الواسعة داخل كل طائفة خصوصا حاليا عند المسلمين بحيث تحرص أجهزة كل حزب – طائفة على تقديمها كأكثرية ساحقة وتحمي هذه “الصورة” بأدوات أمنية وانتخابية وتعبوية تعتمد أسلوب “الإبهار”!
نظام طائفي كهذا يحمل شعارات وقضايا كبيرة في الشرعية الدولية (المحكمة) والشرعية الدينية (المذهبية) والشرعية الصراعية (اسرائيل) والشرعية الفجائعية (الاغتيارات والتغييبات والشهداء) كيف لا يكون قويا…
إنه نظام قادر في أية لحظة على اقتطاع تعبوي – أمني – سياسي لمناطق بكاملها يوجهها ضد مناطق أخرى، أو لما يبدو أنه جمهور أكثري يوجهه مشاعريا ضد جمهور أكثري آخر… بل هو نظام قوي الى حد أن أحزابه الكبيرة تستطيع أن توجه جزءا من كوادرها نحو دعم شعار “إسقاط النظام الطائفي” او اللعب على شعار الغاء الطائفية السياسية وفي الجزءين المسيحي والدرزي الدعوة الى العلمنة الشاملة! وبمعزل عن التاريخ الاختلاطي الرائع لمدينة بيروت ومحيطها قبل عام 1975 الذي جرى القضاء على معظمه يجب أن لا ننسى أن هذا النظام هو نظام تهجيري في الداخل والى الخارج… بشكل مستمر.
هذا هو النظام الطائفي القوي جدا لا الدولة الضعيفة جدا التي يديرها، كما أدارها دائما في كل مرحلة فاصلة بين حربين أهليتين، مع فارق متصاعد في العقدين المنصرمين هو الغاء “النظام” لأي حيز مستقل لـ”الدولة” عنه… لقد تلاشى الهامش (حتى الهامشي) للدولة عن الطائفيات السياسية ففقدت الدولة أي قدرة (ولو هامشية) على التدخل في نطاق الطوائف بالمعنى الشامل للكلمة.
على أن العقدين الاخيرين شهدا ولادة مفارقة جوهرية: فهذا النظام صيغ دستوريا عام 1926 على أساس ثنائية مسيحية – اسلامية، اذا به يجد نفسه في ظل سيطرة ثنائية سنية – شيعية لكن عبر نصوص دستورية لثنائية أخرى هي المسيحية – المسلمة. وهذا مصدر للعديد من الاشكالات اليومية في علاقات السلطات الطائفية.
لا يعني الامر ان نظاما كهذا لا يتعرض لانقضاضات سياسية تقوم بها قواه في محاولة تغيير التوازن… مثلما حصل في الانقضاض الـ14 آذاري (عبر مشروع عربي – دولي كبير) على القرار السياسي للدولة مع حكومة الرئيس السنيورة ومثلما يحصل الآن في الانقضاض “الثمان آذاري” على الحكومة (ضمن مشروع عربي – اقليمي ايضا)…
لكن النظام – أي في حروب طائفياته بعضها مع بعض – يمكن أن يفتح المجال لتغييرات… ليست تغييرات في طبيعته كنظام طائفي وانما في مصير سيطرة احدى قواه الاساسية وموقعها في النظام… مثلما أدى الصراع المديد في الحرب الاهلية بعد 1975 الى تهميش القوة الاساسية عند المسيحيين لفترة طويلة – وهي الكتائب – سنرى الآن هل يؤدي الترتيب الوزاري الذي قادته سوريا ضد الحزب الحريري (ولم يكن بامكان أحد أن يقوم به إلا سوريا خلافا لكل الصراخ لانه يتجاوز امكانات “حزب الله”) ان يتحول الى بداية تفكيك للسيطرة الحريرية على السنية السياسية أم سيحصل مثلما حصل بعد إبعاد رفيق الحريري عام 1998 عن رئاسة الوزارة فعاد بعد العام 2000 أقوى مما كان لتصبح “الحريرية” بعد 2005 ولسنوات هي السنية السياسية؟ وسيتوقف الجواب عن هذا السؤال الاساسي في النظام الطائفي اللبناني على المتحولات العربية والاقليمية الزاخرة في المرحلة المقبلة وعلى ما يمكن ان تؤول اليه هذه التحولات العربية في السياسات السعودية والسورية لأن “الكتلة الوازنة” للجمهور المحلي اللبناني خصوصا عند السنة والشيعة بات لها “سعرها” في المصالح التي تحمي أو تؤجج عصبيتها!
أمام نظام طائفي بهذه القوة غير المسبوقة في التأثير والاستقطاب… ما العمل بالنسبة للذين يرفعون شعار “أسقاط النظام الطائفي”… هل يعني الامر الدعوة الى الاستسلام النهائي وعدم القيام بأي تحرك؟..
طبعا لا…
لكن ينبغي عدم التبسيط السياسي للمواقف والشعارات والبحث العميق في إشكال تحرك غير مألوفة؟
1 – شعار “إسقاط النظام الطائفي” الذي يغري بعض النخب الشبابية لا يزال شعارا “يجهّل الفاعل”… أي أنه لا يمس أشخاصا… أو رموزا. صحيح ما كتبه البعض انه ضد من يتحرك بين الزعماء اللبنانيين حيث لسنا أمام حالة من الحالات العربية المرتبط فيها النظام بشخص واحد. لكن بالمقابل هل يملك الشباب المتحركون امكانية مجازفة من نوع جديد بحيث يجري في التظاهرات المقبلة رفع صور مجموعة الرموز الاساسية للنظام الطائفي وهم لن يتجاوزوا الستة أو السبعة أسماء؟ أم أن هذا سيؤدي الى مزيد من تهميش التحرك!! أو أنه يتجاوز قدرة المتحركين!؟
من سيجيب عن هذا السؤال؟
2 – صحيح ان الشعار “اسقاط النظام الطائفي” يتجاوز التذاكي “الطائفي” التقليدي في السجال الاسلامي – المسيحي اللبناني: الغاء الطائفية السياسية عند المسلمين الذي يُرد عليه بالدعوة للعلمنة الشاملة عند المسيحيين… لكن هذا التجاوز لا يحل المشكلة. إذ ينبغي العثور على برنامج مطالب محدد، برز واقعيا جزء منه وهو الدعوة الى تعديل نظام الاحوال الشخصية، لكن هذه دعوة على عدالتها هي دعوة هامشية أو على الاقل محدودة التأثير ولا تكفي لبناء برنامج سياسي…
ويبدو لي في هذا المجال أن الفكر الاصلاحي اللبناني قد أصبح عاجزا منذ أواخر الثمانينات عن التفكير في اقتراح مطالب اصلاحية عميقة… تتخطى الشعار الذي أصبح طائفيا حول تجاوز الطائفية السياسية. فكيف بالمعضلة الاعمق التي لا تاريخ لها في أدبيات السجال اللبناني أي في الادبيات الاصلاحية؟ وهي:
من هي القوى الاجتماعية التي ستقوم او هي قادرة على الاصلاح؟
لقد اقترحت منذ سنوات ان لا يجري طرح أي فكرة اصلاحية بدون أن تكون مرفقة ببحث أو اقتراح القوى القادرة على تطبيقها.
“النهار”






