القاهرة – الحياة – 22/01/09//
في المشهد الأخير من فيلم «شوارع من نار» توجد لقطة مقربة جداً لوجه الفنان نور الشريف، هي لقطة صامتة لكن تعبير الوجه والعينين فيها يقول: القواد في بلادنا قواد بالصدفة، والبطل أيضاً في بلادنا بطل بالصدفة. تعيدنا هذه اللقطة، التي تُلخص مغزى الفيلم كلية، الى ما دوّنه الصحافي المصري محمد منير في مقدمة كتابه «السجين»، إذ أجرى سلسلة لقاءات مع ثمانين شخصية من سجناء الرأي في مصر فكشفت له الحوارات أربعة أنواع من السجناء: نوع أصبح بطلاً بالصدفة عندما قُبض عليه ضمن حملة الاعتقالات التي شنها النظام الحاكم ضد الاتجاهات السياسية المختلفة. بعض هؤلاء لم يكن يؤمن برسالة، ولم يحارب من أجلها، مع ذلك عندما خرج من المعتقل، ارتمى في أحضان السياسة. بعضهم الآخر أراد أن يحمل لقب السجين السياسي بعد أن خاض تلك التجربة كي يستفيد من السنوات التي قضاها خلف القضبان. مجموعة ثالثة كانت متشددة في اتجاهاتها السياسية لكنها عندما خرجت من السجن عقدت العزم على الابتعاد من السياسة نهائياً، وعلى عدم الخوض في مياهها ثانية. أما أصحاب النوع الرابع فقليلون لكنهم هم أصحاب التجارب الحقيقية ممن جعلهم السجن أكثر تشبثاً باتجاهاتهم وأفكارهم، وأكثر عناداً مع النظام الحاكم. كان اقتناعهم وإيمانهم بقضيتهم وأفكارهم أقوى من أي تعذيب، لذلك ظلوا متمسكين بها على رغم الاتهامات الملفقة من نوعية محاولة قلب «نظام الحكم». وحتى عندما خرجوا من المعتقلات خرجوا وهم ينتظرون العودة اليها مجدداً.
من بين الحوارات الثمانين اختار منير خمسة وعشرين حواراً للنشر في كتاب من جزءين. حمل الجزء الأول اسم «السجين» وحقق أعلى المبيعات، وحصل على جائزة «أوسكار الصحافة العربية» لأفضل حوار صحافي، كما حصل على جائزة التفوق الصحافي الأولى من نقابة الصحافيين المصرية. الجزء الثاني صدر أخيراً في عنوان «سجين سياسي» عن دار «هلا» القاهرية. ومن المنتظر صدور ثلاثة أجزاء أخرى قريباً.
أبطال الحوارات في كلا الجزءين شخصيات بارزة من سجناء الرأي من مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية والأدبية والفكرية. شخصيات جمع بينها القهر والسجن وسنوات الاعتقال. بعضهم تعرض لمختلف أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، مثل صلاح عيسى، جمال الغيطاني، عبدالرحمن الأبنودي، سيد حجاب، فهمي هويدي، محمد عبدالقدوس، محمود أمين العالم، جمال بدوي، محمد عودة، محمد سيد أحمد، رفعت السعيد. وبعضهم الآخر اقتصر عقابه على التنكيل النفسي، ربما لأنه في يوم ما كان يحتل أحد مراكز السلطة مثل سامي شرف سكرتير معلومات الرئاسة، أمين هويدي وزير الحربية ورئيس الاستخبارات العامة، ومحمد فائق وزير الإعلام، واللواء عبدالعزيز فهمي، وفؤاد علام أحد أبرز ضباط مباحث أمن الدولة.
وتتميز الحوارات بالتنوع والثراء، ما أضفى على قراءتها متعة خاصة على رغم كونها تحكي تجارب مؤلمة. حاول منير أن يقترب من شخصيات كتابه، من روحهم وتفاصيل حياتهم خصوصاً النشأة التي لعبت دوراً مهماً في تشكيل الفكر والوجدان، فأخذ ينقب عن الجانب الانساني في أعماقهم. من خلال ذلك يمكن رسم صورة لكواليس حقبة تاريخية خطيرة ومعقدة، فهي تعكس تاريخ المعتقلين السياسيين واسباب اعتقالهم أو سجنهم، ترصد كثيراً من تفاصيل تجاربهم في السجون والمعتقلات، والتنظيمات السرية أو العلنية التي كانوا ينتمون اليها، ودرجات تناقضهم مع السلطة منذ بداية ثورة 1952 مروراً بعهد جمال عبدالناصر، والسادات ومبارك.
يبدو الكتاب بجزءيه وكأن صاحبه يبحث عن حلقة مفقودة في تلك العلاقة الشائكة بين النظام وأصحاب الفكر، مسلطاً الضوء على بعض الجوانب الخفية في تلك العلاقة. كانت الحوارات تضيء مناطق معتمة خاصة بشخصيات أو مواقف وأحداث، لكنها في بعض الأحيان كانت تزيدها غموضاً مضفية عليها جواً من الالتباس، خصوصاً مع شخصيات كانت لها علاقة مباشرة ووثيقة بالنظام مثل أمين هويدي ونفيه لحوادث التعذيب وإنكاره لما أشيع عن حمزة البسيوني أحد أشهر مديري السجن الحربي من سلوك اجرامي أثناء التعذيب وخصوصاً لما كتبه الصحافي الراحل مصطفى أمين، ومثل تناقض وتضارب إجابات كل من أمين هويدي وفهمي هويدي، وكذلك كل من سامي شرف، ومفيد فوزي وتكذيب كل منهما للآخر.
لم تقدم سلسلة الحوارات اجابات قاطعة حول كثير من الأحداث. أحياناً كانت تطرح داخل المتلقي مزيداً من التساؤلات وربما الحيرة أو الغموض، فبعض الضيوف كان يكمل جزءاً من الصورة ملقياً عليها دفقة ضوء جديدة، في حين كان البعض الآخر يجذبنا الى منظمة الإظلام التام. مع ذلك يحسب للمحاور أنه سعى لكشف أشياء من التناقض، ومواجهة كل طرف بآراء الطرف الآخر. لكن يؤخذ عليه عدم نشره المستندات التي تحدث عنها بعضهم مثل اللواء فؤاد علام نائب المدير السابق لمباحث أمن الدولة في فترة الثمانينات. ويؤخذ عليه عدم إرفاق تلك الوثائق والمستندات التي كشفها لها علام وجعله يراها، خصوصاً أنه يؤكد عدم مسؤوليته عن موت محمد كمال السنانيري الذي مات في سجن ليمان طرة تحت تأثير التعذيب، إذ أكد علام أنه كان مبعداً عن العمل في تلك الفترة، كما نفى أن يكون التعذيب هو سبب موت السنانيري زاعماً انه انتحر… في حين تؤكد كتابات مصطفى أمين ومحمد عبدالقدوس مقتل السنانيري جراء التعذيب.
كذلك عندما تناقضت أقوال كل من سامي شرف ومفيد فوزي، وكذّب كل منهما الآخر، كانت هناك وثائق أشار اليها الأول، ولو عاد اليها محمد منير وثبتت صحتها بالتأكيد لحسمت على الاقل بعض النقاط الخلافية.
وتكشف اللقاءات عن المجهود الكبير الذي بذله المحاور، واتساع ثقافته وتنوعها، وهو ما انعكس بدوره على أجواء الحوار مع معظم الشخصيات، إذ جاءت سلسة فيها عمق وقدر من الجرأة. لكن في أحيان قليلة كان محمد منير يختبئ داخل نفسه فيفقد أدواته في فن الحوار مثلما حدث في لقائه مع سامي شرف وخصوصاً في ما يتعلق بسؤاله عن الفارق بين الاشتراكية والشيوعية، ثم اكتفائه بما ردده سامي شرف من كلمات مغلوطة من دون ان يناقشه فيها.
في سجين ســياسي وتحت مسمى الأمانة الصحافية، أعاد محمد منير نــشر نحو ثلاثين صفحة من كتاب أيام من حياتي لزينــب الــغزالي لأن حــوارات اللواء فــؤاد علام انطوت على تكذيب لما جاء في الكتاب السابق، وأشارت الى أن زينب الغزالي ارادت تصوير نفسها على أنها رابعة العدوية وشــهيدة الإسلام. الفخ الذي وقع فيه صاحب الــحوارات هو انحيازه الواضح وغير المنطقي لما روته زينب الغزالي مؤكداً شعوره «بكثير من الصدق رغم هول ما كتبت». وأن كتابها مملوء بكثير من الخيال والتناقضات وهو ما كشفه ليس فقط المعارضون لها ولكن أيضاً بعض افراد جماعة «الإخوان المــسلمين» مثل علي عشماوي.
واللافت في الكتابين أن الجزء الأول أسقط السجينات النساء، واكتفى الثاني بإقامة حوار مع واحدة فقط هي الكاتبة سلوى بكر التي قضت خمسة عشر يوماً فقط في السجن وتؤكد أنها لا تعرف سبب اعتقالها لأن التهمة كانت غريبة وهي تحريض عمال الحديد والصلب على الاضراب والتظاهر، وهو ما لم تفعله. اكتفى الكتاب بسلوى بكر في حين أن هناك عدداً لا يحصى من النساء الأديبات ومن مختلف التيارات الفكرية والسياسية اللائي خضن تجربة السجن والاعتقال وقضين فترات طويلة خلف جدران السجن نتيجة مواقفهن وآرائهن السياسية الواضحة والمناهضة للنظام. كما أنه مثلاً أجرى حواراً مع الصحافي مفيد فوزي مع أنه لم يكن سجيناً يوماً ما. فقط تم ايقافه عن الكتابة، وهو ما أطلق عليه منير «اعتقال خاص»، فلماذا كان الإصرار على ضمه الى كتاب سجين سياسي خصوصاً أنه ليس الوحيد الذي منع من الكتابة، فكثر تعرضوا لذلك واضطروا للكتابة أحياناً باسم مستعار، ومن بينهم مثلاً في مجال النقد السينمائي سمير فريد.




















