في مقابل المواجهة العسكرية التي خاضتها اسرائيل ضد حركة "حماس" في غزة؛ دارت مواجهة سياسية حادة بين اسرائيل ومصر على خلفية الوساطة المصرية لوقف النار في غزة. لقد وجدت مصر نفسها منذ اليوم الأول لاحتدام المواجهات أمام مأزق مزدوج؛ فمن جهة هناك حركة"حماس" وحلفاؤها الذين بدأوا بالضغط عليها لفتح معبر رفح والسماح بدخول المقاتلين والسلاح الى القطاع؛ ومن جهة أخرى هناك اسرائيل التي حاولت بشتى الوسائل ومنذ اللحظة الأولى تحميل مصر المسؤولية الانسانية لمعاناة أهل غزة المترتبة على اغلاق مصر للمعبر.
طوال الأعوام الثلاثة الماضية التي اعقبت خطة شارون للإنسحاب من طرف واحد من غزة حمّلت اسرائيل مصر المسؤولية عن عمليات التهريب عبر معبر رفح، والتغاضي عن الأنفاق التي تربط القطاع بالأراضي المصرية. وأكثر من مرة وجدت مصر نفسها في مواجهة مع اهل القطاع الذين حاولوا اختراق المعبر بالقوة واشتبكوا مع رجال الأمن المصريين. وهكذا تحول خط التماس بين مصر والقطاع الى نقطة تجاذب أساسية بين مصر و"حماس" واسرائيل يحاول من خلالها كل طرف اجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات.
اتسم الأداء السياسي لمصر في ادارة عملية التفاوض غير المباشر بين اسرائيل و"حماس" بالبراغماتية وعدم تقديم تنازلات لفظية وعاطفية لـ"حماس" على حساب المصلحة المصرية من دون الخضوع للضغوط الإسرائيلية والقبول بشروطها في وقف النار؛ ومن جهة أخرى اتسمت هذه السياسة بعدم المهادنة والتساهل ازاء الحملة التي شنّها بعض الأطراف العربية والإقليمية ضدها لحملها على فتح معبر رفح لمد يد المساعدة لـ"حماس". والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بعد النجاح النسبي للمبادرة المصرية ووقف النار وبدء انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة: هل استطاعت مصر استرجاع دورها ومكانتها الإقليمية في المنطقة؟ والى أي حد ستنجح في تحقيق الهدف الأساس الآخر لمبادرتها وهو تحقيق المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية؟
ثمة موقفان اسرائيليان من مصر. فعلى الرغم من كون مصر أكبر دولة عربية يربطها اتفاق سلام مع اسرائيل الا ان هناك أطرافاً اسرائيلية رسمية ما زالت تنظر اليها بصفتها خصماً محتملاً وتتهمها بإشاحة النظر عن تهريب السلاح من طريق سيناء وتحملها مسؤولية تعاظم القوة العسكرية لحركة"حماس". وهؤلاء لا يثقون بقدرة النظام المصري على ضبط الحدود ويشيرون الى تراجع قوته في مواجهة صعود نفوذ الحركات الإسلامية الأصولية لا سيما حركة الإخوان المسلمين التي حققت تقدماً واضحاً في الانتخابات المصرية الأخيرة وباتت تهدد حكم الرئيس حسني مبارك.
في مقابل هؤلاء هناك من يرى ضرورة ان توثق اسرائيل تعاونها مع مصر. هذا ما اقترحه يوسي بيلين الزعيم السابق لحركة "ميريتس" اليسارية على الحكومة الاسرائيلية عندما دعاها الى تعاون أعمق مع مصر و السماح لها بلعب دور اكبر مما كان لها حتى الآن، مما يتضمن اعترافاً ضمنياً بالموقف الحذر وغير المتعاون الذي وقفته اسرائيل حتى الآن من المحاولات المصرية طوال الأعوام الثلاثة الماضية للتوسط بين السلطة الفلسطينية و"حماس" من جهة و بينهما وبين اسرائيل من جهة أخرى.
يمكن اعتبار التفاهمات الأمنية الأخيرة التي جرى التوصل اليها بين اسرائيل و"حماس" ومصر بمثابة خطوة اولى لاسترجاع الدور المصري في عملية التسوية الصعبة الجاري البحث عنها بين اسرائيل والفلسطينيين. فالحرب على غزة فتحت أعين المصريين على الخطر المباشر الذي يمثله سلاح "حماس" على وضع الحدود مع القطاع، ومدى التهديد الذي بات يشكله التحالف الذي تتزعمه ايران عليها. وفي الوقت عينه اتضح بصورة لا يرقى اليها الشك مدى خطورة المواجهة العسكرية بين اسرائيل و"حماس" ليس على الاستقرار الداخلي المصري فحسب وانما على الوضع في منطقة الشرق الأوسط برمتها.
مسار ترميم مكانة مصر في العالم العربي يحتاج الى أن تتحول الترتيبات الأمنية لوقف النار بين اسرائيل و"حماس" الى حقيقة قائمة كما تحتاج بصورة خاصة الى نجاح مصر في تحقيق المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية التي تعترضها اليوم عقبات كثيرة.
"النهار"




















