العرب يعودون إلى التاريخ
محمد علي مقلد
منذ قرنين من الزمن أطلق شكيب إرسلان سؤاله الشهير: لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون؟ ولم يأته الجواب إلا من تونس بوعزيزي ومن ميدان التحرير في مصر: الشعب يريد تغيير النظام. قبلهما ظلت الأجوبة في منأى عن بنية النظام، بل هي حامت حوله. محمد علي باشا دخل من باب الاقتصاد وظل هو الباشا، وعبد الناصر دخل إلى السياسة من بابها الخلفي، فحافظ على النظام واكتفى بتغيير السلطة. ذلك أن باب الدخول إلى الحضارة الحديثة، بل إلى التاريخ هو باب الثورة السياسية، لا أية ثورة أخرى ثقافية على طريقة ماوتسي تونغ أو اقتصادية على طريقة لينين. إنها طريقة الثورة الفرنسية بالذات التي ألغت نظام الوراثة وسنت القانون الوضعي الذي أسس للفصل بين السلطات ولتداول السلطة.
قبل الثورة الفرنسية كانت البلدان المنخفضة وإسبانيا وبريطانيا سباقة في ثوراتها الاقتصادية لكن المجد لم يكتب لغير الثورة الفرنسية لأنها هي التي حققت في السياسية ما يحمي تطورا هائلا في الثقافة والاقتصاد كان قد بدأ قبل قرون، حين استلمت أوروبا راية الحضارة من العرب، في ما يشبه سباق البدل بين الحضارات، بعد أن كان العرب قد استلموها قبل ذلك من الفرس والبيزنطيين واليونانيين.
حضارة العرب كانت تطويرا للحضارة أو الحضارات التي سبقتها مباشرة، وكان أهم ما تميزت به أنها جعلت الحاكم حاكما باسم الله أو ممثلا لله على الأرض، بعد أن كان الحاكم في الحضارات التي سبقتها، كما في الفرعونية الأولى مثلا، هو الله أو ما يشبهه أو يوازيه. أوروبا أحدثت نقلة جديدة حين جعلت الحاكم ممثلا للشعب، واستحضرت الديمقراطية بعد أن رفعتها من مساواة بين علية القوم ( اليونان القديمة) إلى مساواة بين جميع المواطنين.
باسم هذه الحضارة انطلقت أوروبا إلى العالم، وكانت المنطقة العربية أول من نعم بهذا الاحتكاك حين قدم نابليون إلى مصر. غير أنها أتت مع التباساتها الناجمة من كونها ذات وجهين، وجه الحضارة ووجه الاستعمار، ولم نكن وحدنا من أوقعه الالتباس في الحيرة، غير أننا كنا الأكثر حزما فرفضنا العرض من اللحظة الأولى، بينما قبله آخرون، مكرهين، كما في الصين، أو طوعا كما في اليابان.
إنها الحضارة الرأسمالية التي قدمت نفسها على أنها حضارة العلم والصناعة والديمقراطية، وتوالى الرفض العربي لها من أول الأصوليات الدينية إلى آخر الأصوليات العلمانية، ورحنا نطلق عليها كل الأسماء إلا إسمها الحقيقي: حضارة غربية، حضارة مادية، حضارة مسيحية، الخ…وجعلناها عدوا وصوبنا عليها ورميناها بتهمة الاعتداء على الأصالة والتاريخ، وقاومناها بكل ما أوتينا من تعصب أعمى للجهل والأمية وكل اعراض التخلف، وحاولنا أن نرد عليها بالانغلاق على النفس، بل إننا ابتكرنا في مواجهتها كل ما تفتق عنه العقل من صنوف الاستبداد، قديمه وحديثه، من أقبية التعذيب والسحل والقتل والنفي والسجن والمخابرات وأجهزة الأمن، الخ، الخ…وظل الثابت في كل هذه الصنوف هو التوريث السياسي. من هنا كان الجواب المصري التونسي الذي يتردد صداه في كل أرجاء الأمة: الشعب يريد تغيير النظام.
من تجربة محمد علي باشا التي لم تكتمل، إلى تجربة الحركة القومية العربية التي انهارت في مواجهة تحديات العصر، حاولنا أن نجيب على ذاك السؤال التاريخي. أتى الجواب الأول من الأصوليات الإسلامية قبيل وصول نابليون وبعده، ومن السلطنة العثمانية التي اعتمدت سياسة الممانعة، حيث لم يكن التخلف العربي العثماني الإسلامي، في نظر أصحاب الجواب، سوى نتيجة جهل المسلمين بأصول دينهم، ما يعني أن الحل هو في العودة إلى الأصول. لكن الحل تجاهل كل أسس التقدم الغربي الرأسمالي المتكاملة، في الفكر كما في السياسة كما في الاقتصاد. السنوسية كانت أكثر التجارب الأصولية اكتمالا،فاقتصرت على تغييرات طفيفة في إدارة النظام الاقتصادي السياسي الثقافي القائم، ولم تطمح إلى إحداث نقلة نوعية في أسس هذا النظام، ولا سيما في أساسه السياسي، تماما مثلما حصل بعد قرنين في التجربة الاشتراكية التي ركزت اهتمامها على توزيع الثروة لا على إنتاجها.
لم تر الأصوليات القومية في الرأسمالية إلا وجهها البشع،الاستعمار، فحاربتها مثلما حاربتها الأصوليات الماركسية لاحقا وحاولت أن تلغيها من التاريخ وتصنع، على أنقاضها، تاريخا جديدا يبدأ بالاشتراكية. على أن هذا الرفض الأصولي القاطع،الديني والقومي والماركسي، لم يجمع على شيء إجماعه على رفض الوجه الإيجابي في الحضارة الرأسمالية، أي على رفض الديمقراطية.
ربما يكون ذلك في أساس هذه الظاهرة الفريدة في عالم القرنين العشرين والحادي والعشرين: استمرار أنظمة الحكم الوراثي، في العالم العربي وحده دون سواه من دول العالم، في كل السلطات المتعاقبة بعد مرحلة الخلفاء الراشدين، في دولة الخلافة أو في الدويلات المتفرعة عنها أو في أنظمة الأحزاب والجماعات والقبائل المعارضة حتى لو لم تكن حاكمة. ولم تأت الانقلابات العسكرية في دول الاستقلال إلا لتكرس الموقف ذاته المعادي للديمقراطية وتداول السلطة في العالم العربي، ولتشوه معنى الثورة.
قرنان من الزمن إذن، أي قرنان من معاندة التاريخ، بل قرنان من خروج العرب من التاريخ، إلى أن أتت باكورة أحداث كبيرة في تونس ومصر لتعلن نهاية عصر الانقلابات العسكرية والبيان رقم واحد، ولتعيد الاعتبار لفكرة الثورة بما هي تغيير جذري في بنية المجتمع والدولة، ولا سيما في بنية النظام السياسي، تغيير يفسح في المجال أمام الانتقال إلى مرحلة الديمقراطية وحكم الشعب، أي إلى بناء دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والعدالة والحرية والفصل بين السلطات، الخ…
جربت المنطقة العربية كل الأجوبة: الإسلام هو الحل، فكان تطبيقه في الجزائر حربا أهلية وفي السودان تقسيم البلاد وفي إيران وأفغانستان كل صنوف إلغاء الرأي الآخر؛ الوحدة القومية هي الحل، فكانت تجربة الوحدة الطوعية بين مصر وسوريا، وتجربة الإلحاق القسري للبنان بسوريا أو للكويت بالعراق، مليئة بالمآسي، ؛ الاشتراكية هي الحل وقد انهارت التجربة في البلد الأم لتنهار بعده كل التجارب التي استلهمتها. والمشترك الأساسي في كل تلك الحلول هو مجافاة الديمقراطية ووضع بلدان العالم العربي أمام خيارين، الاستبداد أو الحروب الأهلية أو التقسيم. من العراق شرقا حتى الجزائر، ومن لبنان شمالا حتى اليمن: المصائر ذاتها: إما تأبيد أنظمة الحكم، حكم الطوائف والقبائل والتوريث وإما الحروب الأهلية، إلى أن جاءنا الجواب الشافي من مصر وتونس: الحل في الديمقراطية.
لم تصنع الثورة الفرنسية سلاما أهليا، بل وضعت أسسه. غير أن الحضارة الرأسمالية احتاجت إلى حربين عالميتين على الأقل لتقتنع بأن الديمقراطية ليست فحسب صناديق اقتراع، بل هي قبل ذلك تكافؤ فرص في تحصيل الثروة وفي تحصيل المعرفة، وهي عدالة لا تقوم إلا على الفصل بين السلطات وعلى تداول السلطة، الخ. كل ما نطمح إليه ألا يحتاج العالم العربي إلى ردح طويل من الزمن ولا إلى مآسي حروب أهلية ليقتنع بأن باب الدخول في التاريخ الحديث هو قيام الدولة الديمقراطية.
++++++++++++++++++++++++
اللبنانيون وانتفاضة الشعب السوري
عبد الوهاب بدرخان
هل يمكن أن يخطئ أحد في ما يمكن أن يكون موقف اللبنانيين مما جرى ويجري في سوريا؟ لا أظن، ولا أعني هنا حلفاء النظام السوري في لبنان، إذ يكفي ان يكون هؤلاء، كحلفائه داخل سوريا، لا يُبالون بانتفاضة الشعب من أجل الحرية والكرامة، ولا يهتمون إلا بمصالحهم مع النظام وبما يستطيعه تمكيناً لهم، لكن استغلالاً لهم أيضاً.
كان اللبنانيون القلائل، الذين تجرأوا على كشف المظالم التي يتعرض لها اشقاؤهم السوريون، تعرضوا للتصفية أو الاضطهاد والترهيب. كذلك لاقى السوريون القلائل الذين وقعوا على “اعلان دمشق” أنواعاً شتى من الاعتقال والقهر والنبذ، لمجرد أنهم جهروا مع أشقائهم اللبنانيين لمفهوم سام للأخوة والتواؤم مغاير للمفهوم الذي تبناه النظام.
حصل أن مثقفين من البلدين تلاوموا على صمت بعضهم إزاء بعض في شأن معاناة صارت مشتركة أيام عهد الوصاية السورية على لبنان. وحصل ان مثقفين من البلدين حاولوا كسر الصمت فدفعوا الثمن غالياً. لم يكونوا يواجهون سطوة هذا النظام، هنا وهناك فحسب، وإنما واجهوا حالة عربية عامة ثم حالة ايرانية خاصة تدعمه. وفيما يتساقط الآن الجانب العربي في هذه الحالة، فإن جانبها الايراني يحاول ان يتذاكى بادعاء ان الثورات العربية تستلهمه، متناسياً أنه لم يبق فيه شيء لإلهام أحد.
يولد اللبناني وهو يعرف ان بلده صغير وتعددي ومثقل بتاريخ من الانقسامات، ولذا فهو يتطبع بالمسالمة وعدم التدخل في شؤون الآخرين. لكن انفتاح البلد والتعايش الحتمي بين فئاته ومناخ الحرية الذي انغرز في جيناته تجعله تلقائياً صاحب موقف ضدّ الظلم والعنف. وثمة عبارة موفقة للبطريرك الماروني الجديد بشارة الراعي في احتفال توليته جاء فيها أن “في احتكار فئة للوطن احتقاراً لنا جميعاً”. فالعلاقة السببية بين هذين الاحتكار والاحتقار تختصر جوهر الثورات العربية الراهنة، لأن من يحتكر السلطة ويعمل على تأبيد نفسه فيها لا بدّ أن يقع في مفاسدها فينتهي الى احتقار كل شعبه.
بلغ تدخل النظام السوري في لبنان، أفراداً وجماعات، دولة ومؤسسات، دستوراً وقوانين، ما لم يترك مجالاً لتدخل اللبنانيين في سوريا، على افتراض انهم رغبوا في ذلك يوماً، ولم يرغبوا أملاً في أن يفهم هذا النظام أن تدخلاته ما هي إلا أخطاء يمكن أن تمرّ بعض الوقت، ولا يمكن أن تمرّ كل الوقت. ولا يعني عدم تدخل اللبنانيين أنهم لم يدركوا طبيعة هذا النظام، أو أن لا موقف ولا رأي لهم في ممارساته، بل أنهم رفضوا ويرفضون أن يتولى مسؤولون لبنانيون، خصوصاً في المنظومة الأمنية، إضفاء ملامح وتقاليد استبدادية تشرّبوها من تبعيتهم له، في ادارة مؤسساتهم. وبديهي أن الاشتباك السياسي الناشب في لبنان الآن ناتج في كثير من جوانبه عن الصراع بين الراغبين في استنساخ ذلك الاستبداد وبين رافضيه لأنه لم يكن ولن يكون من طبيعة البلد.
لا يريد اللبناني لأي سوري، لأي عربي، إلا ما يريده لنفسه من تحرر وكرامة وعيش كريم، ولوطنه من استقرار وازدهار وسلم أهلي. فبلدان العرب وشعوبها تتوق جميعاً الى الحكم الرشيد، وسيادة العدل، واقتصاد حيوي لا تنهبه وحوش الفساد، وفرص عمل وتأهيل، وتعليم متفاعل مع العصر، وخدمات سوية. أي نظام يطمح لأن يكون دولة لا بد ان يحترم هذه الهواجس، وإذا اقتصر طموحه على ان يكون سلطة فلا بدّ أن يتوقع غضب الشعب ولن يستطيع تأجيله الى ما لانهاية.
كان المتوقع ان يلتقط النظام السوري مغزى الانذارين التونسي والمصري، ثم الليبي واليمني، وأن يبادر الى العمل. لكنه اهتم على الأرجح بفحص الماكينة الأمنية، ولما وجد أنها على ما يرام لم يشأ أن يذهب أبعد. أخطأ في تجاهل ان الشعب يمكن ان يفاجئه، وكذلك في تقدير مدى مناعة شعبيته، كما في قراءة صمت الذين لم يشاركوا في الاحتجاجات. أهمل نصائح الصديق التركي، ولعله لم يوفق في تحليل ظروف تنحي حسني مبارك وفرار زين العابدين بن علي والصمود الموقت لعلي عبد الله صالح، لكنه لا يُعذر في مراهنته الضمنية على بقاء معمر القذافي واحتمالات انتصاره على شعبه. لم يكن سراً أن النظام يستطيع اطلاق الرصاص على المواطنين، لكن التحدي كان ألا يفعل، لا أن يفعل. إذ ان القتل الذي يسبق مباشرة الاعلان عن اصلاحات مهمة وجذرية لا يلبث ان يقتل النيات الطيبة حتى لو كانت صحيحة، بل أن القتل يجعلها متأخرة وغير كافية ويثير كل الشكوك. فكيف يصدّق الشعب الذي رزح نحو خمسين عاماً تحت احكام الطوارئ، وكل ما رافقها من تشوّهات نفسية وثقافية واجتماعية، أنها يمكن أن تُشطب بجرّة قلم، فالطوارئ غدت منظومة حكم وحفرت “ثقافتها” عميقاً في البشر والحجر ولا تعتبر ملغاة إلا بإزالة منظومة القوانين التي كرّستها، وبإلغاء الاجهزة التي استمدت منها سبب وجودها، وبإعادة تأهيل كل شخص عمل فيها، وأخيراً باستبعاد كل من يعرف بارتكاباته المشينة في اطارها.
رغم بعض الهتافات النابعة من غضب أو ألم أو فجيعة، فهم العالم أن احتجاجات سوريا ليست في صدد إسقاط النظام وتغييره، ولا هو في صدد الاعداد للرحيل. لكن الشعب استيقظ، وفي ذلك مصلحة لسوريا، بل أيضاً مصلحة للنظام ليعيد النظر عميقاً في تجربته وفي علاقته مع الشعب، لا ليكمل أو يستأنف السياسات ذاتها بعد مرور العاصفة. فأنصاف الحلول أو انصاف الاصلاحات ستنكشف بسرعة. كانت الوصاية على لبنان أكبر انجاز حققه النظام لنفسه لكنها كشفت كل عيوبه داخل سوريا نفسها. ولا شكّ أن انتفاضة الشعب فرصة لاعادة نظر شاملة في مسيرته، وخصوصاً للعودة الى الاهتمام بالداخل بدل تجميع الأوراق الاقليمية والعبث بها. ثمّة حاجة الى حوار وطني حقيقي في سوريا، والى إعادة تشكيل النظام ليصبح دولة للجميع بدل الاهتمام بتشكيل الحكومة في لبنان أو في العراق وفلسطين.
++++++++++++++++++++
انطباعات حول أحداث درعا
عبد الكريم أبا زيد
لنعد أولاً إلى الأسباب المباشرة، وليس المتراكمة، التي أدت إلى تلك الأحداث، فبعد انتصار الثورتين الشعبيتين في تونس ومصر بدأ الناس يتحدثون عن إمكان حدوث ذلك في سورية. فالشعب السوري ليس مستثنى من قوانين المجتمعات البشرية، نظراً لتماثل أوجه القمع والفساد وكبت الحريات وعدم تداول السلطة.
بعض تلامذة المدارس الصغار كتبوا على جدران مدارسهم عبارات تندد بالنظام دون أن يفهموا معناها. وبعد تحريات قامت بها أجهزة الأمن توفرت لديهم بعض الأسماء. لم يكن يهمهم دقة الأسماء بقدر ما يهمهم إعطاء درس للمواطنين الكبار عبر أبنائهم الصغار. داهموا بيوتهم واعتقلوا العشرات. ظن الأهل أنهم سيعيدونهم بعد ساعات. مضت الساعات والأيام والأسابيع دون أن يسمعوا عنهم أي خبر. قيل إنهم أرسلوهم إلى السويداء ومن ثم إلى دمشق. وهذا ما يحدث مع من يهدد أمن الدولة.
انتاب القلق الأهالي، خاصة بعد أن أصابتهم الخشية من أن يصاب أطفالهم باختلالات نفسية وجسدية بسبب التعذيب والإقامة في الأقبية. هنا شعر الأهالي ومعهم جميع سكان درعا بأن كرامتهم قد أُهينت، واستغربوا كيف أن نظاماً قوياً يقف سداً منيعاً في وجه الإمبريالية والصهيونية يخاف من أطفال صغار؟!
في 18/3، وبعد صلاة الجمعة في الجامع العمري الكبير الواقع في درعا البلد مركز العشائر الكبرى، خرج آلاف المصلّين من الجامع ومن جوامع أخرى في مسيرة سلمية مطالبين بالإفراج عن أطفالهم. تصدّت لهم قوات الأمن وأطلقت عليهم الرصاص فقتلت أربعة وجرحت العشرات. نقلوا الجرحى إلى الجامع خوفاً من أن تعتقلهم أجهزة الأمن وتهمل معالجتهم. تطوّع أطباء درعا وجاؤوا إلى الجامع، كما فتحت الصيدليات أبوابها لأخذ ما يلزم من الدواء. وأصبحت درعا البلد محرّرة من أجهزة الأمن الذين تمركزوا عند الجسر الواصل ما بين درعا البلد ودرعا المحطة.
في اليوم التالي تجمع أكثر من ثلاثين ألف مواطن في الجامع وساحته لتشييع الشهداء. امتد طابور المشيعين من الجامع إلى المقبرة على مسافة تزيد على ثلاثة كيلومترات. شعاران أساسيان هتف بهما المشيعون: “الله، سورية، حرية.. إلّلي يقتل شعبه خاين”.
بعد الانتهاء من الصلاة ومراسم الدفن وقف أحد رجال الدين على كتف أحد المواطنين معلناً بصوت مرتفع أنه مكلف من أعلى المرجعيات بتسجيل مطالب أهالي درعا، وستلبّى حال وصولها. قال بعضهم إنهم كذابون فلا تصدقوهم، وقال آخرون لقد جربناهم أربعين عاماً فلنجربهم هذه المرة.
كان الطلب الأول إطلاق سراح المعتقلين من الأطفال، ومعاقبة من أطلق النار على المتظاهرين، ورفع حالة الطوارئ، وبعض المطالب المحلية.
في المساء توافد الآلاف للتعزية بالشهداء. طافت مدينة درعا مئات الدراجات النارية والسيارات تحمل شباباً لا يتجاوزون العشرين من أعمارهم يهتفون: “حرية حرية إللي يقتل شعبه خاين”.
نحو الساعة التاسعة ليلاً كانت الساحة الملاصقة للمسجد تغصّ بالشباب الذين يعدّون بالآلاف. كان أحدهم يتحدث عبر مكبر الصوت قائلاً: يا شباب، لا تتحركوا من مكانكم باتجاه المحطة. فقوات حفظ النظام المعززة بالمئات من دمشق ترابط عند الجسر. ونحن لا نريد الاصطدام بهم بل نريد تحقيق مطالبنا التي أرسلناها إليهم.
وقفت مع مجموعة من الشباب الذين كانوا يشكلون حلقات من خمسة إلى عشرة أشخاص. سألت أحدهم: لماذا أنتم متواضعون في طلباتكم؟ الله سورية حرية وبس. قال لي دون أن يشعرني بأنه يعطيني درساً: هل تدرك ماذا تعنيه هذه الكلمة العذبة “الحرية”؟ هل تتذكر قصة الذي طلب من الملك أن يملأ له مربعات رقعة الشطرنج قمحاً: واحد، اثنان، أربع، ثمانية، إلخ، وتبين له أن جميع مخازن القمح في مملكته لا تكفي؟ إن طلب الحرية يعني إلغاء حالة الطوارئ، إصدار قانون للأحزاب، إصدار قانون يعطي حرية للصحافة، انتخابات حرة لمجلس نواب تداول السلطة.. إلخ، ثم أردف قائلاً كما لو أنه تذكر فكرة: هل تعلم أن عددنا على الفيس بوك في سورية يناهز المئة ألف؟ نتبادل الآراء والأفكار وننسّق فيما بيننا كما نتبادل الخبرات ونتشاور مع زملائنا في مصر ونستفيد من تجاربهم. إننا لا نحتاج إلى أخذ رخصة من النظام ولا لطلبات انتساب ولا لبرامج ونظام داخلي ولا لمكتب تداهمه قوات الأمن! إننا في عصر العولمة الذي لا تستطيع أن تستوعبه الأنظمة الديكتاتورية.
وقفت مشدوهاً من شدة الإعجاب أمام هذا الشاب الذي لمّا يبلغ العشرين. كنت أظن أنني أستاذ في السياسة وأنا المنغمس بها منذ أكثر من نصف قرن. وجدت نفسي كمن يذهب إلى الحج على ظهر جمل وهم يذهبون على متن طائرة. وبينما كنت مستغرقاً في تأملاتي، أردف قائلاً: هل تعلم يا أستاذ؟ هل يمكن أن تعرفنا على اسمك؟ أنا عبد الكريم أبا زيد! قال هذه أول مرة أراك فيها شخصياً. سألته هل قرأت لي على الإنترنت؟ قال لا، ولكنه تدارك فقال: أجل لقد قرأت مرة لك مقالة تتحدث فيها عن الحكام العرب. فعندما نطالبهم بإطلاق الحريات وتداول السلطة يقولون لنا: ألا تخجلون؟ وهل هذا وقتها؟ نحن نقاوم الإمبريالية والصهيونية وأنتم تطالبون بإطلاق الحريات ومكافحة الفساد؟ عندما ننتهي من القضاء على الإمبريالية والصهيونية سنترك السلطة لكم.
هل تعلم يا أستاذ عبد الكريم ماذا يقول هؤلاء الحكام العرب عن حركاتنا؟ إنهم يقولون إننا ننفذ مشروع الشرق الأوسط الجديد عندما نثور عليهم ونطالبهم بالحرية. يجب أن يعرف هؤلاء الحكام العرب المشرفون على الزوال أنهم هم، بديكتاتوريتهم وقمعهم لشعوبهم وتمسكهم الذي لا مثيل له بالسلطة، هم الذين سينفذون مشروع الشرق الأوسط. هل كان سينقسم السودان إلى دولتين لو أن الديكتاتور الدموي البشير أعطى شعبه الحرية؟ لقد كان الرئيس مبارك على استعداد لأن يقبل بتقسيم مصر إلى دولتين: مسلمة وقبطية بشرط أن يبقى. وكان من الممكن أن تساعده إسرائيل على ذلك. ومن الممكن أن يقبل علي عبدالله صالح أن يبقى رئيساً لليمن الشمالي مع انفصال اليمن الجنوبي. وينطبق هذا الأمر على العراق وسورية والجزائر وغيرها. لقد قطعنا الطريق على مشروع الشرق الأوسط الجديد بثوراتنا هذه. ونحن على ثقة بنجاحها.
وها هي ذي قد نجحت في تونس ومصر وقريباً في اليمن وليبيا وسورية. فنحن بإشاعتنا للديمقراطية في الحياة السياسية، وإعطاء جميع فئات الشعب بقومياته وطوائفه حقوقها، فإنها لا تعود تطالب بالانفصال. هل شاهدت كيف خرج شيوخ الأزهر بمسيرة رافعين شعار: نريد إعادة بناء (كنيستنا) التي أحرقتها أجهزة أمن مبارك؟ إنهم لم يقولوا “كنيستهم”، بل قالوا “كنيستنا”! وهل رأيت كيف كان المسيحيون واقفين حراساً على المسلمين وهم يؤدون صلاة الجمعة في ساحة التحرير في القاهرة؟
نظرت إلى الساعة فرأيتها قد تجاوزت منتصف الليل. كان الآلاف لا يزالون يتحاورون. لم أشعر بالتعب، بل شعرت أنني ولدت من جديد. كنت مدهوشاً من هذا (الولد العفريت) العملاق في السياسة. لم أكن أظن أن هؤلاء الشباب إلا منغمسين في اللهو والتفتيش عن عمل. إنهم يعلِّموننا خوض السياسة ليس فقط بعقولهم، بل وبأجسادهم التي تتعرض للرصاص.
سألته: ما اسمك أيها الشاب المدهش: قال: غسان أبا زيد!
رغم أنني من سكان درعا ولكنني أعيش في دمشق منذ زمن طويل فلا يمكنني معرفته، خاصة أن عائلة أبا زيد يزيد عددها على الخمسة عشر ألفاً.
سألته عن اسم أبيه فقال عبد الله! سألته عن اسم جده فقال: جدي الحاج سليمان. احتضنته قائلاً: لقد كان جدك سليمان زميلي في المدرسة!
+++++++++++++++++++++++++++
بارادوكس لدى اليسار التقليدي التاريخي
نقولا الزهر
المفارقة تكمن في أن الشيوعيين واليساريين التقليديين والتاريخيين بشكل عام من أكثر الناس الذين تكلموا ويتكلمون عن قوانين الديالكتيك وعلميتها وموضوعيتها،ومن اكثر الناس الذين يتكلمون عن خطر وسوء عبادة الفرد هذا على المستوى النظري؛ لكن على المستوى التطبيقي والعملي كان هؤلاء من أكثر الناس الجاحدين بموضوعية قوانين الديالكتيك وخاصة قانون التراكم الكمي يؤدي إلى تغير كيفي،وكذلك قانون نفي النفي، وأما فيما يتعلق بعبادة الفرد فحدث ولا حرج فهم من أكثر الذين روجوا لعبادة الشخصية ومارسوها على المستوى العملي. ولماذا نذهب بعيداً فستالين كرس عملية التحنيط وعاد إلى عهد الفراعنة وفي الواقع قائد الثورة لينين كان قد أوصى أن يدفن بعد موته إلى جانب والدته في مقبرة العائلة. ومن ثم قلد الرفاق البلغار الرفاق السوفييت وحنطوا القائد المعادي للفاشية جورجي ديمتروف في الساحة الرئيسة في صوفيا وإذا انتقلنا إلى الصين، فكلنا يتذكر قضية الكتاب الأحمر الذي وصل الأمر لان يستخدم في أواخر أيام ماوتسي تونغ في الاستطباب ومن يلمسه يشفى من الأمراض المستعصية.وأما في كورية الشمالية فمصير قوانين الديالكتك ونفي النفي وقانون التراكم الكمي يؤدي إلى تغير كيفي ومسألة عبادة الشخصية فهو منقطع النظير، وبدأنا نسمع بألقاب جديدة للرئيس كيم ايل سونغ وابنه من بعده كيم جونغ ايل من نمط النجم الساطع والقمر المنير والشمس المشرقة. وإذا انتقلنا إلى أميركا اللاتينية لنرى قائداً بحجم كاسترو وقيمته التاريخية فهو لم يتوان عن البقاء في الحكم نصف قرن بالكمال والتمام وقد تملكته ذهنية غريبة بأن الشعب الكوبي لا يمكن أن ينتج قائداً نظيراً له وهذا ينطبق على شافيز فهو يريد تعديل الدستور ليبقى رئيساً لمرة ثالثة ورابعة. ولكن هذا المشهد اليساري وجدناه بالمواصفات ذاتها في كل الأنظمة العربية(الثورية واليسارية)،في كل من مصر وسورية والعراق واليمنين الجنوبي والشمالي والسودان وليبيا وتونس والجزائر.وقد توصل الأمر بالقذافي لأن يقول:أنا المجد أن الثورة أنا ليبيا.ولذلك علينا ألا نستغرب فاليسار التاريخي في العالم العربي والأحزاب الشيوعية التقليدية وكذلك على المستوى العالمي،يتحسر الآن على انهيار الأنظمة العربية الشمولية المتسلطة ويتباكى على القذافي وكتابه الأخضر، ويرتعش من الثورات العربية الشعبية الراهنة من أجل الحرية وكل هذا باسم التصدي للأمبريالية الأميركية، في الوقت الذي كثير من زعماء هذه الأنظمة تربطهم بالولايات المتحدة علاقات وتحالفات قوية وحميمة.والغريب في هذا النمط من اليسار أنه لم يفكر مرة واحدة في أن تراكم الاستبداد والفساد والقمع وتقديس الفرد يؤدي إلى تفجر هذه الأنظمة ولايعتقد على الإطلاق بموضوعية قانون نفي النفي وانتهاء الصلاحية.ولكن في النهاية لا يمكننا إلا أن نحيي بعض القادة الاستثنائيين من هؤلاء الثوريين التاريخيين مثل نيلسون مانديلا ولولا في البرازيل ففي التجربة العملية تبين أن هذين الزعيمين العظيمين يؤمنان بالحرية والديمقراطية بشكل عميق.
++++++++++++++++++
الممانعة في الخارج
لا تحمي الداخل
امين قمورية
لو اقتصر الأمر في سوريا على تحركات محدودة في مدينة درعا ومحيطها لكان يمكن الأخذ بنظرية المستشارين والاعلام الرسمي بأن ثمة “مؤامرة خارجية” تحاك ضد “آخر قلاع الصمود العربي في وجه اسرائيل”. لكن خروج الاحتجاجات من المنطقة الحدودية الجنوبية المحاذية للاردن واتساعها لتشمل عدداً كبيراً من المدن السورية، من اقصى الجنوب الى أقصى الشمال مرورا بالعاصمة دمشق، اسقط المقولة الرسمية عن تورط “طابور خامس” و”مندسين”، وأثبت ان المشكلة، كانت وستبقى مشكلة داخلية لن يفيد معها الاتكاء على عناوين “الممانعة” ضد “المؤامرات الخارجية” لمواجهة مطالب الداخل او لايجاد مبررات لتهدئة خواطر الناس.
شباب سوريا مثل شباب مصر وتونس واليمن وليبيا والبحرين، يعانون ما يعانيه أترابهم من كبت للحريات وتهميش وظلم وبطالة وفقر وحرمان حق التعبير والعمل السياسي والنقابي، ولم يعد يفيد الهروب من مواجهة هذه المشكلات بتصدير المشكلة الى الخارج او الهروب الى خارج الحدود، ولم يعد تعظيم “الدور القومي” لسوريا يكفي لإطعام فقراء الريف والضواحي السورية او شفاء غليل التواقين الى العدالة والمساواة واستعادة الكرامة.
اعتراف النظام بواقع الناس الغاضبين خطوة اولى ضرورية لسلوك طريق الحل وامتصاص الصدمة. وقد اثبتت الانتفاضات المتلاحقة من تونس الى مصر الى اليمن ان العلاج بالجرعة لم يعد يشفي، فالمطالب تتصاعد ويعلو سقفها بعد كل محاولة ممانعة أو مماطلة من الحكم أو هروب إلى الأمام مرة بالتهديد والوعيد ومرة بإغداق الوعود. وثبت أن ما كان ممكناً أن يقبل به الناس في الأمس والتف عليه الحاكم لن يعود مقبولاً من الناس في اليوم التالي. اما استخدام القوة فليس من شانه الا زيادة الغضب ونقل الحوار الى الشارع وتشريع الابواب على كل أنواع التدخلات الخارجية… وهكذا دواليك الى ان ترتفع سقوف المطالب الى حد اقتلاع سقف النظام مثلما حصل في تونس ومصر.
حركة الاحتجاجات في سوريا لا تزال في بدايتها، ولا يزال في امكان النظام استيعابها، ليس بالقمع الذي يولد غضباً، بل بتطبيق فوري لرزمة واسعة ومقنعة من الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، اولها الرفع الفوري لحال الطوارئ التي اثبتت حرب تموز اللبنانية انه يمكن مقاومة اسرائيل من دونها، وثانيها توسيع قاعدة المشاركة في الحكم، لانه ثبت ان الديمقراطيات الحقيقية هي الضمان الأهم للاقليات الخائفة على مصيرها وهي وحدها التي لا تتمناها اسرائيل لاعدائها، وثالثها محاربة الفساد المتفشي الذي يشوه صورة اي نظام فكيف اذا كان هذا النظام يعتد بصفة كونه نظام الممانعة العربي الوحيد؟
واذا كانت مصر هي مصعد العالم العربي وقاطرته، فإن سوريا هي مصعد المشرق العربي وقاطرته. واذا كان نجاح الثورة في مصر بعد تونس تردد صداه من المحيط الى الخليج ومن شانه ان يغير وجه المنطقة ويقلب الموازين فيها، فلا بد للحراك الذي تشهده المدن السورية ان يكون له التأثير عينه ليس على سوريا فحسب بل على كل بلاد الشام، بدءا بلبنان وصولا الى العراق ومرورا بالاردن وفلسطين، وربما اكثر، على المنطقة برمتها.
لكن ان تغيرت سوريا سلما وبآلية داخلية شيء، وان تغيرت كما تتغير ليبيا شيء آخر تماماً. فالمتحفزون للتدخل في اللحظة السورية التي يعتقد البعض انها “لحظة العمر”، عليهم ان يحذروا، لأن نار الفوضى والاضطراب في سوريا لن توفّر بلهبها احداً في المنطقة وقد تمتد سريعاً الى لبنان والاردن والعراق وفلسطين ومن يدري ربما الى تركيا وأبعد.
لذا فان الحل الأفضل هو ان يعيد النظام النظر في مقاربته لمسالة التغيير المطلوبة لإعادة تموضعه على خريطة المنطقة تجنيبا لسوريا والجيران في الهلال الخصيب شرّ الأسوأ، إذذاك يمكن ان نرى نموذجاً للتغيير العربي غير النماذج التي شاهدناها حتى الآن في الدول الأخرى. أم أن الأوان فات؟!
+++++++++++++++++++++




















