٢” الأخ الأكبر” يترصد كل حركاتك، همزاتك ولمزاتك، ليس هناك مكان
تستمتع بحريتك فيه إلا تلك السنتيمترات المربعة داخل رأسك، وحتى تلك
يمكنهم أن يترصدوها من خلال تعابير وجهك!! “
من رواية ١٩٨٤ لجورج أورويل
مقدمة:
عشر سنوات مضت علي تسلم الرئيس بشار الأسد الحكم في سوريا خلفا لوالده الرئيس الراحل حافظ الأسد. عشر سنوات كرس فيها الابن ذات السياسات والممارسات التي تؤمن احتكار السلطة ودوام السيطرة لحزب البعث السوري القابع علي مقاليد السلطة منذ ٤٧ عاما.
عشر سنوات برهن فيها الأسد الابن علي قدراته في قمع كل دعاوي الإصلاح الديمقراطي التي انطلقت من داخل سوريا، وقدراته علي امتصاص مختلف الضغوط الدولية التي انطلقت قبل سبع سنوات بدعاوي دمقرطة النظم العربية.
لم يرث بشار الأسد مقاليد السلطة وحسب بموجب تعديل دستوري جري تفصيله خصيصا، بل ور ث وطور أيضا نظاما قانونيا للقمع ولوأد مختلف أشكال الحراك السياسي، وعززه بتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية وتحصينها من المسائلة علي جرائمها بحق المواطنين السوريين.
ومع أن أوهام محدودة قد راجت مع توليه السلطة تدفع بالأمل في أن يتنفس السوريين بعضا من نسمات الحرية عززه ا الإفراج عن بضعة مئات من المعتقلين السياسيين وإغلاق سجن المزة والسماح للأحزاب المؤتلفة مع حزب البعث فيما يسمى بأحزاب الجبهة الوطنية بإصدار صحف علنية ناطقة باسمها، وغض الطرف ولو بصيغة مؤقتة عن بعض الأنشطة الحقوقية، والنداءات التي أطلقها مثقفون وسياسيين من اجل الإصلاح، والمنتديات التي بدأت في إدارة حوارات ذات طابع ثقافي وسياسي.
بيد أن هذه الأوهام لم تستغرق سوي بضعة أشهر تحول بعدها ما عرف بربيع دمشق إلي جحيم مطبق، واستعادت من بعدها الدولة البوليسية سطوتها عبر نزوع متزايد لتصعيد وتائر القمع لتطال مختلف النشطاء السياسيين والداعيين إلي الإصلاح والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتستدعي الدولة مختلف أدواتها القانونية وغير القانونية لأحكام القبضة علي المجتمع السوري ومنظماته غير الحكومية وعلي مختلف وسائط التعبير والأعلام التقليدي منها والحديث.
وفي الوقت الذي تحتفل فيه سوريا الرسمية بالسنة العاشرة لتولي الأسد الابن مقاليد السلطة، فان المحاكمات الجائرة أمام محاكم امن الدولة والمحاكم العسكرية، وحتى أمام القضاء الطبيعي الذي تسيطر عليه السلطة التنفيذية، تكاد تحاصر بصفة يومية أشخاص يمارسون حقهم في التعبير أو التنظيم أو التجمع والاجتماع السلمي، أو يكشفون عن انتهاكات حقوق الإنسان في بلادهم أو يتطلعون لأعمال قيم الكرامة والمساواة، ويناهضون تمييزا منهجيا جري تكريسه علي الأرض عبر عدة عقود بحق السكان الأكراد، وتضيق السجون بقائمة واسعة من السجناء والمعتقلين من مختلف ألوان الطيف السياسي، والمدافعين عن حقوق الأقلية الكردية والداعيين إلي الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
وتحت وطأة حالة الطوارئ الاستثنائية السارية منذ عام ١٩٦٣ ونظام الحصانات الأمنية من المحاسبة تتصاعد مجددا الشكوى من عودة ظواهر الاختفاء القسري ويظل التعذيب ممارسة معتمدة داخل مراكز الاحتجاز السورية، وتتسع دائرة ضحاياه رغما عن الإدانات الدولية.
لقد تحولت سوريا عبر عشر سنوات من وصول الأسد إلي السلطة وعبر ٤٧ عاما من هيمنة حزب البعث إلي سجن كبير يصادر بداخله حق السوريين في التنفس ولا نقول حقهم في المشاركة السياسية أو في اختيار من يحكمهم، فهي أحلام بعيدة المنال في ظل دستور منح الغلبة الأبدية لحزب البعث واعتبره الحزب القائد للدولة والمجتمع ويقود عبر ما يسمي بالجبهة الوطنية التقدمية جهود توحيد طاقات الشعب!!!
إن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان إذ يعبر عن تضامنه مع ضحايا النظام القمعي في سوريا، ويثمن غاليا نضالات القوي الحية المتطلعة للحرية واحترام كرامة وحقوق السوريين، فأنه يشدد علي أن الالتزام الأخلاقي بعالمية حقوق الإنسان يملي علي مختلف أطراف المجتمع الدولي وهيئاته المعنية بحقوق الإنسان العمل بصورة متناغمة لتعزيز التضامن مع الشعب السوري وقواه الحية وتضافر الجهود من اجل دفع السلطات السورية لاحترام التزاماتها الدولية بتعزيز واحترام حقوق الإنسان واتخاذ التدابير الضرورية التي تهيئ المناخ لتبني إصلاحات دستورية وتشريعية عميقة من شأنها ان تحدث قطيعة مع النهج القمعي السائد وتعيد الاعتبار للحقوق والحريات العامة والمشاركة السياسية.
هذا ويسلط هذا التقرير الضوء علي ترسانة القوانين الاستبدادية، والتي ورثها الرئيس السوري بشار الأسد عن فترة حكم أبيه، وعمد إلي تعزيزها بالمزيد من المراسيم والقوانين القمعية، والتي استطاع خلال سنوات حكمه توظيفها علي نطاق واسع واستغلالها من اجل
قمع كل الأصوات المعارضة ل ه، وتقييد كافة الحقوق والحريات الأساسية للأفراد، ولقد كانت هذه القوانين بمثاب ة سلاح الرئيس السوري المشهر دائما من اجل التنكيل بالنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، وقمع أي دعوات إصلاحية، واستكمال مسلسل قمع واضطهاد الأقلية الكردية، وتعزيز نهج الإفلات من العقاب وتوفير الحصانات الدائمة لحماية المتورطين في مثل تلك الانتهاكات من المحاسبة والمسألة.
القوانين السورية: ترسانة القمع
أولا: قانون حالة الطوارئ:
يأتي قانون الطوارئ والمعمول به في سوريا منذ عقود علي رأس ترسانة القوانين الاستبدادية والتي استخدمها حزب البعث علي مدي سنوات حكمه الطويلة من اجل ترسيخ هيمنته وسيطرته المطلقة علي الحياة السياسية في سوريا، وهو الأمر الذي دفع الرئيس بشار الأسد إلي الإبقاء عليه حتي الآن كسلاح مشهر بصورة دائمة في وجه المعارضة، متجاهلا كل الدعوات الإصلاحية والتي طالبت بإلغائه، ولقد عمد بشار الأسد وخلال سنوات حكمه العشرة إلي توظيف هذا القانون علي نطاق واسع من اجل قمع خصومه الداخليين، والتنكيل بالنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، واستخدام العنف ضد المواطنين السوريين، وإحالة المدنيين منهم إلي محاكمات جائرة تفتقد الحد لأدني من شروط العدالة.
وكانت حالة الطوارئ قد أعلنت في سورية أكثر من مرة، كان آخرها بموجب الأمر العسكري رقم ٢ بتاريخ ٨ آذار/ مار س ١٩٦٣، الصادر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة، والذي نص علي إعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية ابتداء من ٨مارس ١٩٦٣ وحتى إشعار آخر”!!! ولا تزال حالة الطوارئ قائمة حتى اليو م في ظل قمع النظام للمبادرات المطالبة بإلغائها.
هذا ويمنح قانو ن حالة الطوارئ الحاكم العرفي (رئيس الوزراء ) ٣ أو نائبه (وزير الداخلية ) صلاحيات مطلقة، تتيح مصادر ة الحقوق والحريات الأساسية لكافة المواطنين السوريين بلا استثناء، ويصبح سلب الحرية وتقييد كافة الحقوق الأساسية والتي تكفله المواثيق الدولية تحت تصرف هذا الحاكم دون أي رقابة من أي سلطة أخري.
– 1 “ سنوات الخوف..الحقيقة والعدالة في قضية المختفيين قسريا في سوريا“، تقرير صادر عن “برنامج العدالة الانتقالية في العالم العربي” حزيران ٢٠١٠
١٩٦٣، لذا فأن حالة الطواريء ليست قانونية ولا دستورية \٨\ 2 اعلان حالة الطوارئ النافذة لم يعرض على مجلس الشعب حتى الان منذ ٣
عند إعلان حالة الطوارئ يسمى رئيس مجلس الوزراء حاكمًا عرفيًا وتوضع تحت تصرفه جميع قوى الأمن
فطبقا للماد ة( ٤) من قانون الطوارئ يحق للحاكم العرفي وبدون أي رقابة من احد اتخاذ تدابير تتعلق بوضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور في أوقات معينة، وتوقيف المشتبه فيهمأو الخطرين على الأمن والنظام العام توقيفاً احتياطياً، والإجازة في تحري الأشخاص والأماكن في أي وقت، وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال!!!.
وعلي الرغم من أن هذه المادة تجعل أوامر التوقيف محصورة في الحاكم العرفي أو نائبه، إلا أن التطبيق العملي يختلف عن ذلك، فكل جهاز من أجهزة الأمن السورية مخول بإصدار الأوامر باعتقال أي مواطن دون بيان الأسباب،وإن كل جهاز من هذه الأجهزة الأمنية لديه أوراق مطبوعة بالأوامر العرفية فيها مكان فارغ للاسم المطلوب اعتقاله،ومكان لتاريخ الاعتقال، وموقعة على بياض. من قبل وزير الداخلية بصفته نائباً للحاكم العرفي٤ كما تتيح نفس المادة للحاكم العرفي أو نائبه وذلك طبقا للبندان (ج)و (و)، تحديد مواعيد فتح الأماكن العامة وإغلاقه ا بالإضافة إلي الحق في الاستيلاء على أي منقول أو عقار وفرض الحراسة المؤقتة على الشركات والمؤسسات، وتأجيل الد يون والالتزامات المستحقة والتي تستحق على ما يجري الاستيلاء عليه!
كما تكفل أيضا الحق للسلطات في مراقبة الرسائل والمخابرات أياً كان نوعها، وهو ما يوفر لأجهزة الأمن الصلاحيات المطلقة للتصنت والمراقبة الدائمة للنشطاء السوريين. كذلك فأن أي محاولة لتوجيه النقد للنظام السوري من خلال أي مطبوعة أو صحيفة يكون جزائها الأدنى المصادرة أو التعطيل أو الإلغاء فبموجب هذا القانون يحق للحاكم العرفي مراقبة الصحف، والنشرات، والمؤلفات، والرسوم والمطبوعات والإذاعات وجميع وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها و ضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإلغاء امتيازها وإغلاق أماكن طبعها.
وبموجب حالة الطوارئ تحال إلى القضاء العسكري –مهما كانت صفة الفاعلين أو المحرضين أو المتدخلين– من يقوم بمخالفة الأوامر الصادرة عن الحاكم العرفي بالإضافة إلي عدد من الجرائم والتي يشملها قانون العقوبات السوري، والتي من المفترض أنها جرائم تكون السلطة القضائية هي المنوطة بالنظر فيها ومن بين تلك الجرائم:
الجرائم الواقعة على أمن الدولة والسلامة العامة (من المادة ٢٦٠ حتى المادة 293 من قانون العقوبات) الجرائم الواقعة على السلطة العامة (من المادة ٣٦٩ حتى المادة ٨٧٣
( الجرائم المخلة بالثقة العامة (من المادة ٤٢٧ حتى المادة ٤٥٩٥. ( الجرائم التي تشكل خطرًا شاملا (من المادة ٥٧٣ حتى المادة ٥٨٦
وعلي مدار العشرة سنوات السابقة، فانه قد تم إحالة اغلب النشطاء السياسيين ودعاة الإصلاح والمدافعين عن حقوق الإنسان إلي القضاء العسكر ي بموجب قانون حالة الطوارئ، وقداصدر القضاء العسكري والذي يتسم بتبعيته المطلقة للسلطة التنفيذية أحكام قاسية بالسجن علي هؤلاء من خلال محاكمات جائرة افتقدت الحد الأدنى من شروط المحاكمات العادلة.
======================================




















