شهدت أروقة الأمم المتحدة أمس، تحركاً من بعض الدول لصوغ مشروع إدانة للقمع الدامي للتظاهرات في سوريا، بالتزامن مع بحث الإدارة الأميركية مجموعة خيارات للضغط على حكومة الرئيس بشار الأسد كي تضع حدا للعنف، من بينها إمكان فرض عقوبات على مسؤولين كبار.. في وقت كشفت صحيفة «ديلي تلغراف» أن الرئيس السوري بشار الأسد يواجه اتهامات من قبل المحكمة الجنائية الدولية، بعد إبلاغ القادة الغربيين بمقتل 120 شخصاً من المتظاهرين المناهضين للحكومة في الاحتجاجات الأخيرة.
وقالت الصحيفة إن «هيئة مؤثرة من القضاة والمحامين الدوليين دعت إلى محاسبة الرئيس الأسد وأعوانه على الهجمات التي وقعت خلال عطلة عيد الفصح، وفتحت فيها قوات الأمن والميليشيات النار على المدنيين». وأشارت إلى أن اللجنة الدولية للحقوقيين أصدرت بياناً ذكرت فيه أن «الذين أمروا بتنفيذ هذه الهجمات، بما فيها إطلاق الرصاص الحي على الحشود، يجب أن يتحملوا المسؤولية».
وأضافت «ديلي تلغراف» أن الحكومات الغربية «تتعرض لانتقادات متزايدة بشأن سياساتها المتباينة تجاه ليبيا وسوريا، حيث لقي أكثر من 300 شخص حتفهم منذ اندلاع الاضطرابات قبل خمسة أسابيع، فيما اشتكى منتقدون من أن الغرب سارع في مد يد العون للشعب الليبي وترك الشعب السوري يواجه مصيره، رغم أنه يواجه واحداً من أكثر الأنظمة قمعاً في منطقة الشرق الأوسط». وقالت إن «الكثير من المسؤولين الغربيين يترددون في توجيه انتقادات شديدة اللهجة للرئيس الأسد على الرغم من أنهم عاملوا نظامه كنظام شبه منبوذ، وسعت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في البداية إلى تقديم الأسد على أنه إصلاحي يكافح المتشددين في نظامه فيما قامت إسرائيل، التي لا تزال من الناحية الفنية في حالة حرب مع سوريا، بحث واشنطن على الامتناع عن القيام بأي عمل يمكن أن يزعزع استقرار نظام الأسد خوفاً من أن يقود سقوطه إلى قيام حكومة أكثر عدائية لها».
وأضافت إن «القادة الغربيين شددوا لهجتهم حيال نظام الأسد بعد وقوع أكثر من 100 حالة وفاة في يوم الجمعة العظيمة، واعتبر الرئيس الأميركي باراك أوباما عمليات القتل بأنها مشينة، كما انضم وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ إلى جوقة الإدانة وشجب العنف المتزايد في سوريا وقتل المتظاهرين على أيدي قوات الأمن السورية».
ونسبت«ديلي تلغراف» إلى الأمين العام للجنة الدولية للحقوقيين وايلدر تيلور قوله إن «المجتمع الدولي فشل حتى الآن في حماية الشعب السوري من انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان».
تحرك لعقوبات
في غضون ذلك، أعلن دبلوماسيون في الأمم المتحدة أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا والبرتغال يروجون داخل مجلس الأمن الدولي لمشروع يرتقب صدوره اليوم لإدانة للقمع الدامي للتظاهرات في سوريا.
وأشار دبلوماسي طلب عدم كشف اسمه إلى أن مشروع الإعلان هذا يمكن أن يتم نشره على الملأ اليوم الثلاثاء إذا ما توصل الأعضاء الـ15 داخل مجلس الأمن إلى اتفاق بالإجماع. ونقلت وكالة «فرانس برس» عن هذا الدبلوماسي القول إن «الإعلان المشترك يندد بالعنف ويوجه نداء إلى ضبط النفس».
وأضاف المبعوث الدولي أن الدول الأربع تشيد أيضاً بمبادرة الرئيس بشار الأسد لرفع حال الطوارئ الذي كان ساريا منذ 50 عاما في البلاد، كما تشير إلى أهمية سوريا لاستقرار الشرق الأوسط.
وأوضح دبلوماسي في الأمم المتحدة أن وضع سوريا يختلف عن ليبيا التي طالب ممثلوها في المنظمة الدولية المنشقون عن النظام مجلس الأمن بإدانة أعمال العنف في البلاد وفرض عقوبات على الزعيم الليبي معمر القذافي وأركان نظامه.
وأضاف هذا الدبلوماسي أنه «يجب رؤية ماذا يرغب مجلس الأمن بفعله في موضوع سوريا. لسنا أمام وضع مماثل لليبيا. ثمة احتمال ضئيل بأن تبدي روسيا حماسة كبيرة للقيام بخطوات تصعيدية بحق بلد ذات سيادة».
ولفتت الأوساط الدبلوماسية إلى أن الفارق الآخر مع الوضع الليبي هو أن الشعب لم يبادر إلى حمل الأسلحة لمقاتلة النظام.
واشنطن تدرس
وفي السياق، قال مسؤول أميركي إن إدارة الرئيس باراك أوباما تبحث مجموعة خيارات للضغط على حكومة الأسد كي تضع حداً للعنف من بينها إمكان فرض عقوبات على مسؤولين كبار. وأضاف المسؤول أن الإجراءات قد تتضمن تجميد الأموال وحظر التعاملات التجارية في الولايات المتحدة. ومن المرجح أن يصدر ذلك في صورة أمر تنفيذي يوقعه الرئيس باراك أوباما، ولكن لم يصدر قرار نهائي بعد بشأن التوقيت المحدد لمثل هذه الخطوة. ولم تصدر على الفور تصريحات بشأن ما إذا كان الرئيس السوري ضمن من تستهدفهم العقوبات اتساقاً مع ما تنادي به جماعات حقوق الإنسان.
وكان رد الرئيس أوباما اقتصر حتى الآن على التصريحات الشديدة اللهجة، ولكنه لم يتضمن أي إجراء ملموس يذكر ضد الحكومة السورية في تباين مع دور واشنطن في الحملة الجوية التي ينفذها حلف شمال الأطلسي على قوات معمر القذافي.
وتضع واشنطن في حسبانها قدرتها المحدودة على التأثير على دمشق التي تربطها علاقات وثيقة بإيران، كما تلزم واشنطن الحذر بشأن أي تدخل عسكري آخر في العالم الإسلامي الذي تخوض فيه حربين بالفعل في العراق وفي أفغانستان.
ورغم ذلك يبحث المسؤولون الأميركيون عن وسائل جديدة للضغط على حكومة الأسد في الوقت الذي تدفقت فيه القوات والدبابات على درعا. وكان أوباما قال في بيان يوم الجمعة إن القمع الدموي للمحتجين في سوريا «ينبغي أن ينتهي الآن»، واتهم دمشق بطلب مساعدة من إيران لقمع الشعب السوري.
وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلت أمس عن مسؤولين، طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم، أن إدارة باراك أوباما تستعد لإصدار مرسوم يخول الرئيس الأميركي تجميد أموال هؤلاء المسؤولين ومنعهم من ممارسة أي أعمال مع الولايات المتحدة، لكنها نقلت عنهم أنه لا يتوقع أن يكون لهذه العقوبات الأحادية الجانب التي ستتبناها واشنطن، إلا تأثير محدود كون أن معظم المسؤولين المقربين من الرئيس السوري ليست لديهم إلا القليل من الأرصدة المالية في الولايات المتحدة.
إلا ان الصحيفة أوضحت أن العقوبات الأميركية الجديدة يمكن أن تؤثر على أوروبا، حيث الأموال السورية أكثر أهمية من تلك الموجودة في الولايات المتحدة، لاتخاذ خطوة مماثلة للخطة الأميركية.
وتعود العقوبات بحق سوريا إلى 11 مايو 2004، حين فرض الرئيس السابق جورج بوش عقوبات اقتصادية على هذا البلد بحجة أنه يدعم الإرهاب. وتم تمديد هذه العقوبات العام 2007 وتشديدها العام 2008 قبل أن تمدد مجدداً.
وكالات




















