بعد تشرين الاول الذي كان شهراً منهكاً، شهراً "أسود" طبعته الخسائر، لا تزال اسواق المال قلقة من سيل من الأخبار الاقتصادية السيئة وشكوك مرتبطة بالانتخابات الاميركية، وسط مطالب ملحة باجراء اصلاحات عميقة. ودعا رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون دول الخليج إلى المساهمة في اعادة الاستقرار الى النظام المالي العالمي ومساعدة الدول التي اصابتها الأزمة الاقتصادية العالمية ودعم صندوق النقد الذي يُخشى ألا تكفي احتياطاته لإنقاذ الدول المتعثرة والتي يتزايد عددها.
والجمعة تنفست الاسواق الصعداء قليلاً باستثناء طوكيو التي اقفلت بورصتها على تراجع نسبته 5.01 في المئة، وبقدر أقل سان باولو، اكبر أسواق اميركا اللاتينية. الا ان كل الأسواق تستعد لاسبوع حافل بالاحداث المجهولة. والمجهول الأكبر هو نتائج الانتخابات الاميركية التي تجري الثلثاء، بينما تعول الاسواق على فوز المرشح الديموقراطي باراك اوباما الذي يتقدم خصمه الجمهوري جون ماكين في استطلاعات الرأي. غير ان بعض المحللين لا يتردد في القول انه يتوقع ان ترد "وول ستريت" سلباً على وصول ديموقراطي يؤيد زيادة ضريبة القيمة المضافة، في حين انها ستحتفي بخصمه الجمهوري.
ويبدو ان الأيام المقبلة ستشهد كذلك تقلبات كبيرة مع نشر الارقام المتعلقة بالوظائف في الولايات المتحدة والتي تنتظرها الاسواق بقلق نظراً إلى الازمة المالية التاريخية التي تضرب العالم.
واذا كانت معظم البورصات عاودت صعودها الجمعة بعد "تشرين الاسود"، تبدو الآفاق الاقتصادية قاتمة بعد نشر سلسلة من النتائج السيئة للشركات والخطط الاجتماعية. ومنذ بداية السنة، فقدت البورصات العالمية الكبرى بين 30 و40 في المئة.
وستلغي مجموعات عملاقة في عالمي المال والصناعة، بينها "نيسان" و"موتورولا" و"باسف" و"اميركان اكسبرس" آلاف الوظائف مما يهدد بتعجيل الانتقال الى الركود.
وامس شارك نحو ثمانية آلاف عامل في إضراب شمل 17 مؤسسة ألمانية كبرى في قطاعات الالكترونيات وصناعة السيارات.
ويضاف الى ذلك الاعلان عن تراجع الناتج الداخلي الاجمالي للولايات المتحدة 0، 3 في المئة في الفصل الثالث من هذه السنة وانخفاض نفقات العائلات الاميركية في ايلول بنسبة 0.3 في المئة بالمقارنة مع آب. وهذا التراجع الأكبر منذ حزيران 2004. ويتوقع ان يلغى اكثر من مليون وظيفة في الولايات المتحدة.
وقد خفض بنك اليابان الى الصفر تقريبا (0.1 في المئة) تقديراته لنسبة النمو، بينما تحدثت المانيا عن انخفاض مبيعات التجزئة في ايلول بنسبة 2.3 في المئة بالمقارنة مع الشهر الذي سبقه، وتراجع الناتج الداخلي الاجمالي في اسبانيا 0.2 في المئة بالمقارنة مع الفصل الذي سبقه.
وكشف تقرير بريطاني أن مؤشر "فوتسي 100" الرئيسي فى بورصة لندن شهد للمرة الثانية في تاريخه "أسوأ تشرين الأول" من حيث نتائج الأداء، إذ تراجع بنسبة 11 في المئة هذا الشهر، وهو أسوأ أداء له في شهر واحد منذ تشرين الأول 1987 عندما هبطت الأسهم الرئيسية بأكثر من 26 في المئة.
واعلن صندوق النقد الدولي الجمعة ان جزر سيشيل طلبت مساعدة مالية منه، وانه يدرس إقراض ذلك الارخبيل في المحيط الهادئ. وهي الدولة الرابعة التي تطلب مساعدة الصندوق لتتمكن من مواجهة الازمة المالية بعد ايسلندا والمجر واوكرانيا. وفي هذا الإطار، تبنى البرلمان الاوكراني خطة انقاذ اقتصادية يطالب بها صندوق النقد لمنحها قرضاً بقيمة 16.5 مليار دولار.
وثمة مخاوف من ألاّ تكون الاحتياطات المالية في الصندوق المقدرة بـ250 مليار دولار، كافية لتمويل المزيد من خطط الإنقاذ في الدول التي تواجه أزمات، علماً أنه وقد أنفق حتى الآن 30 مليار دولار قروضاً إلى تلك الدول الثلاث، وباكستان.
خطة روسية
وفي غضون ذلك، أعلن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين ان خطة دعم الاقتصاد ستطرح "في الايام المقبلة". في وقت بدأ إقراض المجموعات الاقتصادية، بما فيها "روسال" الناشطة في صناعة الالومينيوم التي يملكها رجل الأعمال النافذ اوليغ ديريسباسكا، اغنى اغنياء روسيا.
وتحاول عشرات الشركات الحصول على حصة من الـ50 مليار دولار التي قررت الحكومة صرفها لمساعدة الشركات التي ترزح تحت الديون في محاولة للحؤول دون قيام مصارف اجنبية بحجز اصولها.
ووافقت على سحب ما يصل الى عشرة مليارات أورو من احد صناديقها السيادية لدعم سوق الاوراق المالية التي طاولتها الازمة. ورفعت الحكومة سقف ضمان ودائع الافراد الى 700 الف روبل (20 الف أورو).
وقد أخذت صحيفة "ازفستيا" الموالية للكرملين على عاتقها ان تشرح لقرائها السبب الذي جعل الحكومة تقدم مساعدات الى الاثرياء متجاهلة المواطنين العاديين، فكتبت انها "مسألة تتعلق بالأمن القومي" لان هناك تخوفاً من سيطرة اياد اجنبية على اصول مجموعات "استراتيجية" ومنتجين كبار للمواد الاولية.
براون والخليج
وسجلت سوق المال في الرياض، الأكبر في العالم العربي من حيث حجم رؤوس الاموال المتداولة فيها، ارتفاعاً بنسبة 6.02 في المئة عند الاغلاق امس، اول ايام تداولات الأسبوع الجديد. وارتفعت جميع القطاعات، وخصوصاً البتروكيمائيات. وكان المؤشر السعودي اغلق الاسبوع الماضي على انخفاض مقداره 10.1 في المئة ليكون خسر 25، 8 في المئة خلال تشرين الاول. وهو حالياً منخفض بنسبة 46.81 في المئة بالمقارنة باغلاقه العام الماضي.
ورصد تقرير اقتصادي متخصص تراجع سوق الكويت للأوراق المالية في قيمتها الرأسمالية خلال الأسبوع الماضى بنسبة 86, 4 في المئة لتصل إلى 36, 42 مليار دينار. وكان قطاع الصناعة الأكثر خسارة، إذ تراجعت قيمته الرأسمالية بنسبة 3, 12 إلى 57, 3 مليارات دينار، يليه قطاع العقار الذي تراجع بنسبة 31, 9 في المئة، ثم قطاع الإستثمار، بينما كانت الخدمات أقل القطاعات خسارة. وانفرد قطاع التأمين بتسجيل نمو 96ر1 في المئة في قيمته الرأسمالية لتصل إلى 3, 440 مليون دينار.
وفي غضون ذلك، قام براون بزيارة قصيرة للرياض يرافقه وزيرا الخزانة بيتر ماندلسون والطاقة إد ميليباند في إطار جولة خليجية تستمر أربعة أيام وتشمل دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر.
وقال قبيل وصوله لشبكة "سكاي نيوز" البريطانية للتلفزيون إن "الجميع لديه دور يضطلع به في علاج هذا الانكماش العالمي، وأعتقد ان الدول الغنية بالنفط تريد ان تضطلع بدورها. مصلحتها في سعر مستقر للنفط وليس في التقلب الهائل الذي شهدناه حيث ارتفعت اسعار النفط بشدة ثم انخفضت مرة اخرى. مصلحتها ايضا في اقتصاد عالمي يعمل بشكل جيد". وأضاف ان خطته تدعو الى تنسيق اكبر للسياسة النقدية والمالية وتحسين الاقراض بين المصارف ومساعدة الدول المتعثرة. وهو يرغب ان تكون بلدان الخليج والصين بين المساهمين الكبار في توسيع صندوق النقد، غير ان محللين استبعدوا موافقتها على ذلك إذا لم تعط سلطات إضافية في النظام المالي الجديد وتحويل مراكز الثقل المالي من الغرب إلى الشرق، وهذا ما لن توافق عليه الولايات المتحدة ومجموعة الدول الصناعية الثماني.
ونفى براون في حديث آخر مع التلفزيون البريطاني ان يكون يحمل معه "وعاء استجداء"، مشيراً إلى ان "الهدف الرئيسي من الجولة هو مساعدة الأسر البريطانية في هذه الأزمة، ولكن بما ان هذه المشاكل عالمية، فهي تتطلب حلولاً عالمية أيضاً". ولكنه أضاف ان "السعودية والدول الأخرى في منطقة الخليج مهمة للغاية بالنسبة الينا، وهي تمتلك احتياطات نفطية، ومن المهم أن تقدم المساعدة … خصوصاً مساعدة الدول التي تضررت من الأزمة".
وأفاد ناطق باسم براون انه سيدعو زعماء الخليج إلى الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة على المدى الأطول.
* في بغداد، دفع التراجع الحاد في اسعار النفط الحكومة العراقية الى تقليص حجم موازنتها للسنة المقبلة 13 مليار دولار.
أ. ف. ب، رويترز، ي ب أ، أب




















