عادة ما تكون الاجتماعات الاقليمية التي تنعقد تحت راية "المنتدى الاقتصادي العالمي" مناسبة لعدد من مسؤولين ومفكرين من دول اقليم معين لبحث الواقعين السياسي والاقتصادي في الاقليم. هكذا كان اجتماع المنتدى الاقليمي لدول اوروبا وآسيا الوسطى والذي شاركت فيه دولتان عربيتان هما العراق وسوريا مناسبة للتفكير الهادئ بالازمة المالية العالمية، وانعكاساتها الجيو-سياسية، فضلا عن القضايا الساخنة مثل الحرب الروسية – الجيورجية التي أرست معادلات جديدة للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة. حيث عادت روسيا الى توسيع مداها الحيوي الاستراتيجي.
يرى رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان ان "ثمة عالماً جديداً يوشك على الولادة من رحم الازمة المالية العالمية، والمهم هنا ألا يندفع بعض الدول نحو حرب باردة لا يحتاج اليها احد". في المقابل يعتبر وزير الدفاع النروجي إسبن إيدي "ان عصر القطب الاوحد انتهى، ولم يحل مكانه عصر الثنائية القطبية، بل التعددية القطبية. لكنه يخشى ألا تكون التعددية القطبية المولودة من رحم الازمة مصحوبة بقواعد واضحة تمنع الانزلاقات من كل نوع".
فبعدما اعلن فوكوياما قبل 18 سنة "نهاية التاريخ"، هناك من يعلن اليوم نهاية نهاية التاريخ، اي ولادة التاريخ من جديد! فقد عادت الدولة، وعادت "الجيوبوليتيك"، وعاد القرن التاسع عشر بمعنى ان الحرب في جورجيا اعادت مفهوم الحرب المتوازنة بين الدول. اما الازمة المالية فقد مهدت لعودة تدخل الدولة في الاقتصاد والاسواق، وطرحها كمنقذ للاقتصاد والاسواق المالية معاً.
عادت الضوابط على التعاملات المالية في العالم، ولعل ابرز الظواهر ان تتدخل ادارة الرئيس جورج بوش في ازمة السوق، واكثر من ذلك ان تنتزع حصصا من رؤوس اموال مصارف متعثرة بما يشبه التأميم الى حد بعيد، تماما مثلما حدث في بريطانيا التي دفنت الشهر الفائت جانبا مهما من "الفلسفة الاقتصادية التاتشرية" (نسبة الى رئيسة الوزراء السابقة مارغاريت تاتشر).
على مستوى آخر لا يعتقد رئيس الوزراء الارميني الاسبق ارمين سركيسيان الذي يدير راهنا "معهد اوراسيا" الدولي للدراسات في لندن ان الحرب الباردة عائدة. ويقول: "لا عودة الى الحرب الباردة، لأنها قامت على صراع بين نظامين عالميين، في حين ان الجميع اليوم بما فيهم روسيا والصين ينتمون الى نظام عالمي اقتصادي واحد. وكل ما يحصل من نزاعات اليوم لا يمثل اكثر من عودة لعناصر محددة ومحصورة من نزاعات قديمة تعود الى حقبة الحرب الباردة". ويصر سركيسيان على "أن النموذج الاوروبي في حل النزاعات (في اعقاب الحرب العالمية الثانية) هو الامثل وينبغي الاحتذاء به. فأوروبا التي سادتها الصراعات اكثر من اربعة قرون متتالية، امكنها ان تتجاوز مشكلة الحدود والتنوع الثقافي بالاقتصاد، وبمشروع الحريات لكل الناس". عادت الذاكرة بسركيسيان الى حين كان يدرّس مادة الفيزياء في جامعة موسكو زمن الاتحاد السوفياتي، وكان يعجب لعدم مبادرة طلابه الى مناقشة نظرياته، وافكاره، عازيا الامر الى خوف كان يتحكم في الطلاب بسبب التضييق السياسي والفكري. وذات يوم دعي الى جامعة كامبريدج البريطانية، في اطار الزيارات الاكاديمية وذهل عندما رأى خلال محاضرة كان يلقيها احد اكبر العلماء وحامل جائزة نوبل في الفيزياء ( PLASMA PHYSICS) احد الطلاب يقف ليناقش العالم في احدى نظرياته قائلا له: "آسف يا بروفسور لكنك مخطئ"! ويقول سركيسيان: "هنا فهمت كعالم انني كنت في المكان الصح. فلا تقدم من دون محاججة آلهة العلم والمعرفة. ولا تقدم من دون محاججة الحاكم".
بالنسبة الى كبير مستشاري رئيس الحكومة التركية احمد داوود أغلو "ان العالم يعبر زمن وقف للنار. اننا في عصر الصراعات والنزاعات المجمدة منذ نهاية الحرب الباردة. وما نخشاه اليوم ان تلك الصراعات والنزاعات المجمدة منذ مرحلة الحرب الباردة (جورجيا مثالا) عادت تتحرك. والى الآن لم نجد لها حلولا مرضية"!
في اسطنبول تفكير عميق بأزمات "قوس الازمات" الممتد من تركيا مرورا بالشرق الاوسط لغاية افغانستان، وخوف من عودة، ليس الى حرب باردة، بل الى انغماس في سلام بارد، يؤسس بدوره لحروب تتوالد في كل مكان!
"النهار"




















