طلبت مراسلة إحدى المحطات التلفزيونية مقابلة أم شهيد وافقت الأم. وقبل أن توجه إليها أي سؤال بادرتها الأم قائلة: أود أن أوجه عبر قناتكم عظيم امتناني وشكري لمن أمر بإطلاق النار على المتظاهرين العُزَّل. لقد قدم لي أحلى هدية في عيد الأم. لقد قدم لي ابني شهيداً ! انتهت المقابلة !
رغم أنني ومنذ أكثر من ثلث قرن أكتب مقالات في صحف سورية ولبنانية وأردنية أنتقد فيها النظام في سورية بسبب قمع الحريات التي هي حق طبيعي لكل إنسان، فقد اكتشفت، بعد الأحداث الدامية في درعا وغيرها من المدن السورية، أن جميع تلك المقالات لا تساوي صرخة صبي يتألم وقد قُلعت أظافره في أحد أقبية المخابرات. ولهذا السبب فقد قررت أن أسافر إلى درعا، مسقط رأسي، لأشارك أبناء بلدي في جمعة الشهداء.
خرج آلاف المصلين من الجامع العمري الكبير في درعا البلد، وانضم إليهم آخرون من الذين كانوا ينتظرون في الساحة الملاصقة للجامع متجهين نحو درعا المحطة للاعتصام في الساحة المقابلة لقصر العدل. وحسب اتفاق مسبق، فقد تقرر أن تأتي وفود من القرى المجاورة للمشاركة في الاعتصام.
أبلغتنا الأجهزة الأمنية أن الوصول إلى الساحة ممنوع، وان بإمكاننا الاعتصام لوحدنا في درعا البلد. رفضنا هذا الأمر لأن من وعدناهم سيعتبرون أن عدم حضورنا نكثاً بالوعد. وصلنا إلى الحاجز الأمني. كان هناك المئات مصطفين على جانبي الشارع. طلبوا منا الرجوع. كنا على بعد حوالي ثلاثين متراً. رفضنا العودة وقلنا لهم إن مظاهرتنا سلمية وشعاراتنا سلمية: “سنية علوية إسلام ومسيحية كلنا وحدة وطنية. نريد رفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في سورية – شعب وجيش إيد بإيد. أنذرونا مرة ثانية بالرجوع رفضنا وتابعنا سيرنا. أطلقوا علينا قنابل مسيلة للدموع. أصبت بضيق في التنفس. فتى لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره قدم لي قطعة بصل وقال استنشقها، ورش رفيقه على وجهي كولا. لقد احتاطوا لكل شيء، تناول الأول قنبلة غاز لم تنفجر وألقاها عليهم كما تناول رفيقه قنبلة أخرى وألقاها أيضاً باتجاههم. يا لهؤلاء الفتية الشجعان! لم يزدهم الإذلال وقمع الحريات إلا شجاعة وإقداماً.كان على صدريهما شاشة مربعة بيضاء في وسطها دائرة حمراء. علمت فيما بعد، وعددهم بالعشرات، فتيان وفتيات، أن هؤلاء (مشروع شهداء). تذكرت محطة تلفزيونية لبنانية تحدث عبرها أحدهم قائلاً: في المظاهرات التي تخرج ضد النظام الممانع في سورية أناس يضعون بقعاً حمراء على صدورهم لكي يوحوا للمحطات التلفزيونية بأنهم جرحى، ولكي لا تقبض عليهم أجهزة الأمن!! إنهم ليسوا جبناء ولا مضللين يا حضرة المعلق السياسي! إنهم (مشروع شهداء..).
أعود إلى مسيرتنا لقد سمحوا لنا بمتابعة السير عندما رأوا أننا لن نرجع مهما كانت النتائج. وصلنا إلى الساحة. وخلال ساعة وصلت وفود القرى وهي تهتف: الموت ولا المذلة – دم الشهيد حقّو غالي لا هو منحه ولا مصاري – إللي تعوّد عالحرية ما برجع عالعبودية. الشعب السوري إيد بإيد للإصلاح والتجديد – سلمية سلمية إسلام ومسيحية سنية وعلوية.
بعد ذلك أعلن أحدهم عبر مكبر الصوت قائلاً: يا شباب حوران! من أحد مستشفيات باريس الذي يرقد فيه الفنان الكبير سميح شقير أحد إخواننا من جبل العرب الأشم، وهنا علا الهتاف بحياة أبطال المزرعة الذين عودونا على أن لا يسكتوا على ضيم.. أرسل لنا هذا الفنان الكبير أغنية مسجلة تحية لشهداء حوران وصدحت الأغنية.
يا حيف آخ يا حيف/ زخ رصاص عالناس العُزّل يا حيف/ وأطفال بعمر الورد تعتقلوهم كيف/ وانت ابن بلادي بتقتل أولادي يا حيف يا حيف/ سِمْعَتْ هالشباب يُمَّه الحرية عالباب يُمّه طلعوا يهتفوا لها/ شافوا البواريد يمه قالوا إخوتنا هِنِّي ومش رح يضربونا/ ضربونا يمه بالرصاص الحي يمه ومتنا بإيد إخوتنا يمه باسم أمن الوطن يمه..
كان الجو حاراً. فوجئنا بأولاد يحملون زجاجات الماء والكولا والبوظة يوزعونها علينا مجاناً. قالوا إن أصحاب هذه المحلات تبرعوا بها.
أُلقيت كلمات. قال الخطباء إن لنا مطالب عامة وليست خاصة. إلغاء حالة الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين في سورية وإلغاء المادة الثامنة في الدستور وسن قانون للأحزاب والصحافة وإجراء انتخابات حرة ديموقراطية ونحن نرحب إذا ما نجح حزب البعث ديموقراطياً. ولكن أن يفرض علينا فرضاً بموجب الدستور فهذا ما نرفضه. نحن سنبقى نتظاهر سلمياً حتى تتحقق مطالبنا. احذروا المندسين! قوتنا بسلميتنا سنقابل رصاصهم بصدورنا العارية كما فعل أشقاؤنا في إنخل والصنمين لن تستطيع أجهزة الأمن أن تخمد جذوة الحرية في نفوسنا!.
وقفت مع مجموعة من الشباب. وبالمناسبة فإن 95% من المعتصمين تقل أعمارهم عن الأربعين و80% من هؤلاء تقل عن الثلاثين قال أحدهم: هل سمعتم بقصة الشاب الذي سلموه إلى أهله ميتاً وقد وجدوا أنه كتب على صدره بدمه: قلت لهم أنا حي فوضعوني في براد الموتى! ولهذا فلم يعد أحد يرسل جريحا إلى المستشفى. وتحدث آخر عن الطبيب علي المحاميد الذي كان يداوي الجرحى في الجامع العمري الكبير فقالوا له إن عدة جرحى في حالة خطرة في المستشفى الوطني.
ركب سيارته وتوجه إلى المستشفى. أوقفه الحاجز الأمني وقالوا له: ممنوع! قال لهم هناك جرحى في حالة خطرة. وقد أقسمت على يمين أبو قراط أن أداوي حتى أعدائي قالوا له سنطلق عليك النار إذا تجاوزت الحاجز. تجاوز الحاجز بسيارته فأطلقوا عليه النار وسقط شهيداً.
وتحدث آخر عن قصة القاطرة والمقطورة فقد أوقف حاجز الجمارك على الحدود اللبنانية السورية سيارتين شاحنتين محملتين بالخضار إلى السعودية وقالوا لصاحبي السيارتين اتركوهما هنا. وصدف أن كان وفد من قبيلة (النعيم) في درعا يفاوضون الأهالي بفك الاعتصامات وسيستجاب لجميع مطالبهم.
فأشهد السائقان وفد قبيلة النعيم بأن الأمن السوري ربما يضع تحت الخضار سلاحاً ويقول هذا سلاح مهرب من لبنان. لقد فتشوا السيارتين أمامنا فلم يجدوا سوى الخضار، وإلا لما اطلقوا سراحنا.
شارفت الساعة على التاسعة مساءً غادر معظم أهالي القرى إلى قراهم واستضاف أهالي درعا المئات منهم.
وأشاد أحدهم بما تحدث به النائب يوسف أبو رومية في جلسة مجلس الشعب عندما أشار إلى مسؤولية الأجهزة الأمنية عن الأحداث وقالوا إنه هو النائب الوحيد الذي نجح بشعبيته لا بتزكية أجهزة الأمن.
وقبل أن أنهي مشاهداتي أود أن أشير إلى مقالة قرأتها في إحدى الصحف السورية يتبين فيها مقدار النفاق والتملق الذي خلقه قمع حرية الصحافة في نفوس الصحفيين السوريين.
(ماذا يبقى من سورية إن خلعت رداء المقاومة ودعم نضالات الأمة العربية؟ ماذا يبقى من صمود الأمة العربية في وجه المخطط الصهيوني إن وضعت سورية السلاح وقالت لا شأن لي.. إنما نحن مشغولون بشأننا الداخلي؟ إن الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن نحققها ستبدو كالطعام في أسبوع ميت. أكل لكنه في مأتم).
ليطمئن الصحافي السوري! فالشعوب العربية لا تحتاج إلى مساعدة.
لقد قاومت الظلم والدكتاتورية والاستبداد وخلعت حكوماتها أو هي في طريقها إلى خلعها. وإذا كان صاحبنا يقول إن بإمكان النظام أن يقوم بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية لو أراد ولكنه لا يريد لأنها ستبدو كمن يأكل طعاماً في مأتم، فنحن على استعداد لنأكل هذا الطعام، وليبق هو يرسف في أغلال حالة الطوارئ حتى يقضي النظام على الإمبريالية والصهيونية.
+++++++++++++++++++++++







