وسام سعادة
عرَفَ التاريخُ اللبنانيّ ارتباطات من أنواع شتّى بين جماعات بعينها ودول أجنبيّة، وكان من ضمن هذه الإرتباطات ما هو مزمن وما هو عابر، ما هو نافع لهذه الجماعة أو تلك وما هو ضار لها، ما هو محكوم بالضرورة وما هو مدفوع بالاضطرار، ما هو أشبه بالمغامرة وما هو أقرب إلى اليأس، ما هو بقصد الإحتماء وما هو لأجل اقصاء الآخرين.
إلا أنّه لم يحدث في التاريخ اللبنانيّ أن ارتأت جماعة بعينها تحويل نفسها، بموجب الأبعاد الأمنيّة والأيديولوجيّة والتمويليـّة للإرتباط بالأجنبيّ، إلى جالية أجنبيّة، جالية تثار إذا ما قيل لها "لبنان أولاً" كما تثار إذا ما قيل لها "العرب أوّلاً".
لكن هذا ما يحدث اليوم. إذ يتصرّف قوم الممانعة في لبنان لا كمجموعة تطالب بحصّة أكبر، ولا كمجموعة تسعى وراء حكم ذاتيّ، وإنّما كجالية أجنبيّة بكل ما للكلمة من معنى. بدأ هذا المسار منذ ثلاثة عقود، وتسارعت وتيرته مع أفول الوصاية السوريّة، حيث ظهر حينها أنّ الفرع اللبناني للممانعة، أو السند اللبناني لهذه الوصاية، له طاقات دفع ذاتيّة وقدرات هجومية عديدة، وبمستطاعه محاصرة المدّ السياديّ واستنزاف حركة الإستقلال الثاني والحؤول دون قيام دولة مستقرّة ومحايدة ومسالمة في لبنان.
وظهر أيضاً أن طاقات الدفع والقدرات الهجومية هذه لا تتقوى في معرض الصراع الداخلي، إلا بالمزيد من التشدّد في إظهار رغبة قوم الممانعة في تحويل إجتماعهم إلى نوع من جالية أجنبية، جالية تتمسّك بالعروبة (السوريّة) عندما يراد محاربة اللبننة، لكنها لا تتردّد في إحياء الشعوبيّة "المتأرينة" في وجه العرب، وتحسب أنّ الشعوبيّة حين تقترن الغلوّ الايديولوجي لا تعود شعوبيّة، ولا يعود من سبب للعرب للتأفّف القوميّ منها، علماً أنّ الشعوبيّة التي قامت في زمن العباسيين كان لها بعدٌ تحرّري وجريء وليس كما هو الآن طابع غيبيّ أسطوريّ، والحال أن الأسطورة أجمل من الواقع إذا ما بقيت أسطورة، وتصير أبشع أنواع الواقع إذا كلفت دماً من دون طائل، أو في غير مكانه الصحيح.
والتحدي هنا هو عدم الرّد على العنصرية بالعنصرية، وعلى الظلاميّة بالظلاميّة، وعلى الشعوبيّة بـ… "بعث جديد"، خصوصاً وأنّ القوم الممانع الذي يصنع من نفسه "جالية أجنبية" في بلده إنّما يطوّر شعوبيّته اللاعربيّة في ظلّ "وصاية عن بعد.. لكن عن كثب" ينهض بأمرها البعث العربيّ المتبقيّ.. أي البعث السوريّ.
لكنّ التحدّي أيضاً هو القدرة إن لم يكن على تسمية الأمور بأسمائها دائماً وعلى طول الخطّ، فأقلّه تسجيل الحق في اظهار الخطرين اللذين يواجهان الأمن القوميّ المشترك لدول المشرق العربيّ، وللبنان بشكل خاص. الخطر الذي يمثّله عدم استعداد اسرائيل لتحمّل فاتورة السلام الإقليميّ، والخطر الذي يمثّله عدم استعداد ايران لتحمّل فكرة السلام الإقليميّ.
تمرّ إعادة التأسيس للمفاهيم الوطنيّة والقوميّة في العراق كما في سوريا، وفي لبنان كما في المناطق الفلسطينيّة بالقدرة على رؤية الخطرين في وقت واحد، ليس بقصد "المعادلة" بينهما، وليس فقط لإظهار "التلاقي الموضوعي" للضدّين، كونهما يهدّدان كلاهما الأمن القوميّ العربيّ، وليس أبداً للترحّم على صدّام حسين الذي نادى بمواجهة الخطرين إنما كانت نتيجة أعماله استفحال كليهما.
لقد أضاع اللبنانيّون عقد التسعينيّات كلّه وهم يفاضلون بين الإحتلال الإسرائيليّ والوصاية السوريّة وأيّهما أكثر شرّاً وأيّهما أعجل انسحاباً. ليس المطلوب اليوم تضييع عقود إضافيّة مخافة رؤية الخطرين في وقت واحد: العدوانيّة الإسرائيليّة (بحجة "لجم الفراغ" وتلقين الفلسطينيين دروساً دموية) التي لا تريد منحنا القدرة على تثبيت الهزيمة القوميّة والحضاريّة عند حدّ بعينه، وإنّما تريد أن نمضي من هزيمة إلى هزيمة، والهيمنة الإيرانيّة (بحجّة "ملء الفراغ" وتعليم العرب دروساً في الإنتصارات الغيبية) التي تحولت إلى العامل التفتيتي الرئيسيّ لكيانات المشرق العربيّ.
لا يحتاج الأمر إلى صدّام حسين آخر لرؤية الخطرين في آن. لا يحتاج المرء أبداً لرؤية الخطرين بعيون صدّام حسين.




















