في 31 كانون الثاني الجاري، يتوجّه العراقيون إلى صناديق الاقتراع في 14 من أصل 18 محافظة لانتخاب مجالس جديدة للمحافظات. الرهانات كبيرة. ففي حين كان للانتخابات في كانون الثاني 2005 دور في وضع العراق على سكة الحرب الأهلية الشاملة، من شأن الانتخابات الحالية أن تشكّل منعطفاً آخر أكثر سلمية إلى حد كبير. سوف تخدم هذه الانتخابات العديد من الأهداف المهمة: إنعاش الحاكمية المحلية؛ واختبار قوة الأفرقاء المختلفين؛ كما أنها ستكون بمثابة مؤشّر للاتجاهات السياسية على صعيد البلاد. وفي العديد من المحافظات، من شأن أحزاب جديدة أو أحزاب لم تتمكّن من الترشح قبل أربع سنوات، أن تطرد، أو على الأقل تحدّ من سيطرة حفنة من الأحزاب المهيمنة التي شاب حكمها سوء إدارة وفساد مستشريان على نطاق واسع. ومن شأن هذا في ذاته أن يشكّل تغييراً إيجابياً ذا نتائج مترامية الأبعاد بينما تستعدّ البلاد للانتخابات النيابية في وقت لاحق من العام الحالي.
في كانون الثاني 2005، كانت هناك مقاطعة واسعة للانتخابات من جانب قواعد ناخبة أساسية مثل العرب السنة والطبقة الشيعية الدنيا في الأحياء الفقيرة في المدن، وهكذا أقصيت هذه الفئات من السلطة في المجالس الحالية. وأسفر ذلك عن ظهور مجالس غير متوازنة في المحافظات لا تعكس في معظم الأحيان الحاجات الشعبية، وكذلك اسفر عن تراكم المظالم المحلية. في ذلك الوقت، احتلت الأحزاب الداخلية المنشأ والضعيفة المقعد الخلفي وتقدّمتها الأحزاب الإسلامية الشيعية التي نمت في المنفى، وذلك في بغداد والمحافظات الواقعة جنوب العاصمة بعدما أفادت الأحزاب الأخيرة من دعم رجال دين كبار لها.
اليوم، وحتى قبل وضع الصوت الأول في صناديق الاقتراع، تشكّل الانتخابات محطة انتقالية لافتة. ففي الأعوام الأربعة الماضية، تطوّرت السياسة من صراع عنيف يتركّز إلى حد كبير في العاصمة، إلى تنافس ديموقراطي في جوهره على المناصب والمؤسسات، بما في ذلك على المستوى المحلي. تتداعى الكتل المذهبية السابقة، حيث تواجه المذهبية تحدياً أكبر فأكبر من المشاعر الأكثر قومية والوعود بإرساء حاكمية أفضل يطلقها فاعلون سياسيون يسعون إلى السيطرة على المزاج العام. وتترافق المنافسة بين المذاهب مع منافسة في داخلها. ويتواصل العنف في بغداد وأماكن أخرى، وغالباً ما يكون ضارياً وشديد القسوة؛ ففي الأسابيع القليلة الماضية وقعت حوادث – قتل استهدافي وتفجير وترهيب – تهدف بطريقة أو بأخرى إلى التأثير في التصويت. لكن في الوقت الراهن على الأقل، وافق كل اللاعبين الأساسيين تقريباً، بما في ذلك من قاطعوا الانتخابات عام 2005، على مبدأ الانتخابات وألقوا بأنفسهم في شكل كامل في المعركة الانتخابية.
لا شك في أنه ستكون هناك شوائب خطيرة في الانتخابات. ولعل الشائبة الأهم هي أن الأحزاب الحاكمة تتمتع بامتيازات متأصّلة سوف تجعل من الصعب ترجمة خيبة الأمل الشعبية الكبيرة إلى رفض واضح في صناديق الاقتراع. ربما لا يناسب القانون الانتخابي هذه الأحزاب بالقدر الذي تريده، لكنه على الأرجح كافٍ ليمنح التقدّم للأحزاب المسيطرة حالياً. سوف تستعمل هذه الأحزاب التفوّق الذي تتمتّع به على سواها في الوصول إلى الثروات والإفادة من المحسوبيات للتأثير في التصويت. وليست سيطرتها على المؤسسات الأساسية، من الأجهزة الأمنية إلى المساجد التي تديرها الدولة، بالأمر البسيط. هناك خوف من التزوير، على الرغم من المراقبة المحلية وفي غياب المراقبين الدوليين. والمعارضة منقسمة بطريقة ميؤوس منها.
لكن حتى النتيجة المنقوصة ستبدأ حكماً بتصحيح بعض المشكلات الأكثر حدة والتي نجمت عن انتخابات 2005 – من الفساد وسوء الإدارة إلى الاختلالات السياسية الكبيرة في التوازن الناشئة عن مقاطعة العرب السنة والعديد من أتباع مقتدى الصدر لتلك الانتخابات. بالفعل، حتى لو بقيت الأحزاب الحاكمة في السلطة، سوف تحتفظ العملية الانتخابية بالقيمة والإيجابيات. فقد أرست منذ الآن درجة من المساءلة: وُصِمت ممارسات السنوات الأربع الماضية بالعار، ولا يحاول معظم أعضاء مجالس المحافظات الترشّح لولاية ثانية، وقد أُرغِمت الأحزاب على تغيير خطابها، واكتساب طابع جديد، وتجنيد مستقلّين. سوف تظهر نخبة سياسية جديدة على الساحة، ولا سيما من خلال هذا التدفق للمستقلين (الاسميين والحقيقيين على السواء) ذوي المواصفات التكنوقراطية. وفي الدوائر الانتخابية التي تكبّدت المعاناة الأكبر جراء مقاطعة انتخابات 2005، سوف تعود المجموعات التي حُرِمت من التصويت، مما يؤمّن تمثيلاً أكثر إنصافاً لفئات الشعب كافة. ومن المتوقّع أن يعزّز العرب السنّة في شكل خاص تمثيلهم داخل النظام السياسي.
وعلى صعيد آخر، على الأرجح أن الانتخابات ستؤدّي إلى تمثيل أكثر تنوّعاً ومساواة، على الأقل من خلال الحد من السلطة الحالية للأحزاب الحاكمة وإفساح المجال أمام ظهور لاعبين جدد. ومن شأن المجالس الأكثر توازناً أن تمنع بدورها بعض الأحزاب من احتكار المؤسسات المحلية. أخيراً، سوف تصبح مجالس المحافظات ذات السلطات المعزّزة، ساحة سياسية أكثر أهمية، وسوف ترسّخ الابتعاد عن التنافس بين المذاهب، بما في ذلك من خلال تحالفات سياسية جديدة متعدّدة المذهب ومستندة إلى البرامج.
تكثر المخططات الانتخابية وتأمل مجموعة انتقائية من الأحزاب المعارضة أن تستغل إخفاقات مجالس المحافظات والاستياء الشعبي من اللامركزية الشديدة التي ينادي بها الحزبان الحاكمان الأساسيان أي المجلس الأعلى الإسلامي العراقي والتحالف الكردستاني. ويأمل حزب الدعوة الذي يتزعّمه رئيس الوزراء نوري المالكي أن يستفيد من الإنجازات العسكرية والسياسية للحكومة عام 2008، والتي أقنعت عدداً كبيراً من العراقيين باعتبار المالكي قائداً وطنياً أكثر منه زعيماً مذهبياً محدوداً كما كانت النظرة إليه عام 2006 عندما تسلّم منصبه. هدف المالكي الأساسي في انتخابات المحافظات وكذلك في الانتخابات النيابية التي ستجرى في وقت لاحق هذا العام، هو تعزيز موقعه، مع الحفاظ على توازن نسبي مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي والصدريين، بهدف إطالة مدّة تولّيه لرئاسة الوزراء.
على الرغم من أن معظم المحافظات قد لا تشهد سوى تراجع متواضع في سلطة الأحزاب الحاكمة، إلا أن التغييرات في العديد من المحافظات يمكن أن تكون كبيرة، مما يحوّلها ساحات معارك ليس لأن النتائج ستكون حتماً متقاربة، بل لأن المواجهة ستكون الأكثر ضراوة على الأرجح. وهذه المحافظات هي العاصمة بغداد، والبصرة الغنية بالنفط حيث الرهانات هي الأعلى، وكذلك نينوى (الموصل)، وديالى (بعقوبة)، والأنبار (الرمادي) حيث كانت نتائج 2005 الأكثر تشوّهاً.
إزاء الحماسة الأكيدة التي تحيط بالانتخابات (والتي تظهر من خلال العدد الكبير للمرشحين والحملات الناشطة)، من غير العدل التقليل من أهميتها ومن الخطأ المبالغة في تقدير هذه الأهمية. بعد أكثر من عام على انتهاء حرب مذهبية خطيرة، كان التقدّم في إرساء أسس السلام المستدام والدولة التي تعمل كما يجب، محدوداً. لقد وضعت الحكومة العراقية وإدارة بوش تعريفاً ضيقاً للاستقرار وبناء الدولة، فبحسب هذا التعريف، المطلوب هو إعادة بناء الأجهزة الأمنية. وحتى في هذا المجال، كانت النتائج متفاوتة؛ وفي مجالات أخرى مثل توفير الخدمات والسلك القضائي، النتائج أسوأ بكثير. وفي الجوهر، سوف يظل العراق دولة هشة جداً ما دام اللاعبون الأساسيون عاجزين عن تجاوز خلافاتهم والتوصّل إلى اتفاق حول توزيع السلطات والأراضي والموارد، وما دامت الولايات المتحدة عاجزة عن التوصل إلى تفاهم مع البلدان المجاورة القلقة من عدم استقرار العراق والمستعدّة في الوقت نفسه لتغذية عدم الاستقرار هناك إذا دعت الحاجة من أجل الحفاظ على مصالحها.
غير أن التجربة الحالية في الديموقراطية واعدة. ومن شأن جيل جديد من السياسيين يولد من خلال الدعم من القواعد الشعبية في الانتخابات وينمو في مجالس تتمتع بصلاحيات جديدة، أن يبدأ في الارتقاء لبلوغ مناصب على صعيد البلاد – إن لم يكن في الانتخابات النيابية المقرر إجراؤها مبدئياً في أواخر 2009، فبالتأكيد بعد أربع سنوات وفي المراحل اللاحقة. سوف تأتي هذه المجموعة من المشترعين المحليي المنشأ، إلى المناصب مع أمتعة أقل ومؤهلات أفضل من القادة الحاليين، وقد تكون أفضل تجهيزاً وأكثر استعداداً للتوصل إلى تسويات. وبناءً عليه، هذا التقرير الذي يعرض لخلفية الأمور هو بمثابة دليل لانتخابات يمكن أن تساعد على وضع العراق على مسار أكثر استقراراً ولو كان لا يزال هشاً.
"مجموعة الأزمات الدولية"
(ترجمة نسرين ناضر)
"النهار"




















