قراءة في كتاب :
أبدأ من كلماتٍ تصدرت أوراق الكتاب بعنوان ” سورية ”
أبداً سنجفف دمكِ بأصابعنا الخضراء
ودموعكِ بشفاهنا اليابسة
أبداً سنشقُّ أمامكِ الدروب
ولن نترككِ تضيعين يا سورية
كأغنيةٍ في صحراء
يضمُّ كتاب ” سورية.. في الظل ” عدداً من المقالات في الشأن السوري ، كتبها ياسين الحاج صالح ، تتناول الأوضاع الداخلية خلال السنوات الخمس الأولى من العهد 2000-2005 . سأقرأ بعضاً مما جاء في هذا الكتاب القيم حول مسألتين : الدولة – الحزب .
الدولة :
رفعتْ رياحُ التغيير الديمقراطي ، التي تجتاح المنطقة العربية الغطاء عن الواقع السوري ، فاكتشف الناس ” أن سورية بلدٌ يشبه غيره ولا يشبه صورته الرسمية ، وأن الناس يشبهون بني البشر ، وليسوا بحال أبطالاً صامدين أو خونة مارقين “ص 224 ، وكذَّبت الانتفاضة الشعبية ادعاءات المسئولين عند بدء الانتفاضة ، أن سورية لن تتأثر برياح التغيير ، لأنها دولة ممانعة ولطبيعة اللحمة بين الشعب والحاكم ، فقد مارست العنف العاري الذي لم تشهده تونس ومصر واليمن .
قدم لنا ياسين حكماً على قمع اعتصام 10/آذار2005 ، ” فكان القمع في جوهره حلقةً من حلقات الثورة المستمرة ضد الدولة ، بينما كان الاعتصام في جوهره دفاعاً عن الدولة ” ص143 .
لم يدرك الكاتب أن هتاف ” بالروح ، بالدم ، نفديك ..” هو ” صيحة حربٍ في الواقع ” إلا في اعتصام يوم 25 أيار2005 في حديقة المدفع في دمشق ” ص158 ، ولم يرَ فيها إلا تأكيد قوة النظام وترهيب لأعدائه الداخلين حصراً ، لذا يدعو الحاج صالح إلى انسحاب شعارات ” الروح والدم ” من الشوارع ” وهو ضروري من أجل عقلنة الدولة وحفظ السلم الاجتماعي، كما تمثل ” استعادة الدولة وتقويها على حساب تحالف السلطة العارية والروابط الأهلية ، المضمون الأول لأي تغيير حقيقي في سورية” ص 142 .
يواجه الكاتب نزع المدنية والمؤسسية وإضفاء ” الأهلية ” العقيدية وهو سمة النظام المضاد الدولة ، فيدعو لتقوية الدولة قائلاً : ” يتعين أن تكون تقوية الدولة ، حيال المصالح الجزئية والروابط الأهلية فضلاً عن التهديدات الخارجية عنصراً أساسياً في أي برنامج عبر قطيعة مع نظام السلطة الراهن ” ص 228 .
ثم يعلن : إن الدولة هي المقرّ العمومي لعملية التوافق تلقائياً والاشتراك ، فالسياسة بنظره
” مرغوبة لأن المصالح الاجتماعية غير متوافقة تلقائياً ، وهي ممكنة لأن التوافق بين المصالح ليس مستحيلاً ، فالسياسة هي فن تحقيق التوافق المفتقد أو بناء المشترك الاجتماعي ” ص 153 .
ويقدم الكتاب مقارنة بين عنف الدولة وبين عنف غير الدولة ، ويرى أن ” عنف الدولة ممركز ، منضبط ، خاضع للقانون . قد نخاف عصابة ، لكننا لا نحترمها .. فهي تمارس العنف لمصلحة أفرادها ، بينما تمارس الدولة العنف لمصلحة مواطنيها ، عنف الدولة بكلمة واحدة عادل مبدئياً ..أما الدولة القمعية فحسب فتكون مخيفة ومكروهة فحسب ” ص 163.
ويقارن الكاتب بين الدولة وبين الأحزاب ، منطلقاً أن كل منهما مصنوعة من عنصر الحداثة السياسية ، أمة المواطنين الأحرار ” الفرق أن الدولة تمثل الأمة كلها وتحوز العنف في الداخل والخارج ، فيما الحزب قطاع من الأمة ولا يحوز العنف ” ص228 .
ويتطرق الكاتب ياسين الحاج صالح إلى قضية الطائفية موضحاً . ” ليس هناك مشكلة في الطوائف في ذاتها ، ثمة مشكلة خطرة حين يتولى مثقفون ” نقل الوعي من خارج إلى طوائف في ذاتها ” لتغدو ” طوائف لذاتها ” هذه ” طائفة حداثية ” وهذه ” طائفة علمانية ” وهذه ” طائفة قومية ” ، وبدلاً من عقلنة الأهواء و الولاءات ، ” دون الوطنية ينزلق مثقفون إلى تطييف الثقافة . هذا استسلام غير مشروع للطائفية ، أو أعلى مراحل استقالة المثقفين ، وتخليهم عن دورهم العقلي ، بل الوطني ” ص237 .
الحزب :
نتساءل مع الكاتب :
– هل ينطبق على حزب البعث ما ينطبق على أحزاب أنظمة الحزب الواحد من تخريب الدولة ونزع صفتها الوطنية والعمومية وتفصيل الكل الاجتماعي على قياس الجزء السياسي ؟.
النتيجة الماثلة عن هذا السؤال هي أن ” البعث حزباً ودولة وهي تصغير الدولة بتبعيثها . وتخريب الحزب بجعله أداة سلطة محض ” ص148 ، ومن المعلوم أن اللامساواة بين السورين مكفولة دستورياً بالمادة الثامنة منه ، التي تنصّ على أن حزب البعث قائد الدولة والمجتمع .
شخَّصَ ياسين وهو الطبيب ما أصاب أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ، فيراها قد خرب حزبيتها وسياستها معاً و” تحولت مشروعات عائلية ، وتغطي على اتضاعها بتبعيث إيديولوجي ، قومي أو شيوعي ، وهي تشارك حزب البعث انعدام الاستقلالية والشخصية ، بحكم تماهيها المديد مع السلطة وتعوّدها على الامتيازات غير العادلة ” ص234 .
ويعرج الكاتب على المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث المنعقد في 2005 ، فيرى أنه أهدر ” فرصة الحزب الحاكم في سورية لتلاشي مرحلة سورية ما بعد لبنان ، وللانتقال من السياسة الحزبية إلى السياسة الوطنية … لم يفتح باباً داخلياً لإصلاح ووئام ، لم يغلق باباً خارجياً لمخاطر وتهديدات ، لم يقطع مع مرحلة أشهرت إفلاسها علناً ، وحدها أبواب المجهول تنفتح أمام البلاد التي يحكمها البعثيون ” ص198 . نسأل بدورنا :
– هل اخترق هذا الكاتب المجتهد حجب الغيب ، وقرأ ما تشهده اليوم سورية في انتفاضتها الشعبية ، إذ تحتل المعارضة في الإعلام حيزاً يفوق وزنها الاجتماعي والسياسي حسب تعبيره ، على وزن حزب البعث بأعضائه الذين يربون على مليون عضو ، مما جعل الديمقراطيون والعقلانيون في سورية مدعوين إلى التحرر من الخوف والانهزامية وإلى الرهان على المستقبل ، ثم يصل الصالح إلى نتيجة حتمية في مشروع التغيير الديمقراطي في سورية قائلاً :
” لا حلّ بعثياً ، مبدأ الحل الوطني هو المساواة السياسية بين السوريين ، ما يعني بلا غمغمة ولا مجمجة تصفية نظام الحزب الواحد والانتهاء من أوهام قيادة الدولة والمجتمع والرسالة الخالدة .. الحزب خسر استقلاله وذاته السياسية والفكرية والتنظيمية لمصلحة السلطة ” ص152
ختاماً نقول مع ياسين الحاج صالح :
قد يلحق النظام هزائم حقيقية بأعدائه الحقيقيين ، لكنه عاجز عن تحقيق أي نصر ، لأنه لا يعرف السياسة . النصر بالطبع شيء مختلف عن محض القدرة على إلحاق الهزيمة بأعداء .. النصر سياسي وثقافي .. النظام لايزال أهم من البلد ! .
بعد قراءة هذا الكتاب ” سورية .. في الظل ” لياسين الحاج صالح ، وبالرغم من كونه مقالات كُتبت على مدار خمس سنوات تفرض سؤالاً :
– هل قرأتَ كتاب سورية .. في الظل ؟.
الكتاب : سورية ..في الظل . 240 ص
الكاتب : ياسين الحاج صالح .
الناشر : جدار للثقافة والنشر طباعة أولى 2010
حمص 15/6/2011











