خلال المداولة القضائية في الإلتماس الذي تقدم به الناشطان اليمينيان باروخ مارزيل وإيتامار بن غفير، والذي طلبا فيه ممارسة حقهما في التظاهر وهم رافعين أعلاما إسرائيلية في أم الفحم، سأل قاضي المحكمة العليا، إدموند ليفي، ممثلة الإدعاء: "لو كانت جهة تعمل للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين تريد أن تتظاهر وهي ترفع الأعلام الإسرائيلية والفلسطينية، ووردت تهديدات من جهة ما، هل كنتم تقررون تأجيل المظاهرة إلى ما بعد الإنتخابات؟". وأضاف القاضي متسائلا: "الأمر يتعلق بمظاهرة ضئيلة، ودولة إسرائيل التي لديها جيش وشرطة، ألا تقدر حماية شيئ كهذا؟" .
إن حرية التعبير هي فعلا قيمة مقدسة في الديموقراطية، ولذلك من المهم الحفاظ عليها، حتى عندما يقترن ذلك ببذل جهود أو تكون الآراء قاسية جدا لبعض منا أو يكون هناك خشية من رد فعل عنيف. لكن لسوء الحظ، الحفاظ على حرية التعبير لنشطاء السلام في إسرائيل ليست أمرا بديهيا.
أثناء الحرب في غزة بدا أن المؤسسة القضائية والشرطة نسيا المبادئ الأساسية للإلتزام بالدفاع عن حرية التعبير عندما أسكتا أصواتا كثيرة تظاهرت بشكل جزئي تماما ضد الهجوم.
خلال عملية "الرصاص المصهور" اعتقل في أرجاء البلاد 800 متظاهر. معظمهم عرب، لكن ليس فقط كذلك. معظمهم تظاهروا ضد الحرب، لكن ليس فقط كذلك. الكثير منهم لا يزال محتجزا أو قيد أمر حظر تجول، وهم الآن عرضة للإدانة الجنائية، فقط لأنهم أرادوا الإعراب بشكل مشروع عن آرائهم.
تظهر تقارير مختلفة وصلت إلى جمعية حقوق الإنسان أن المظاهرات في جزء كبير من هذه الحالات جرت وفقا للقانون ومن دون عنف. وفي بعض الحالات تثبت لائحة الإتهام تحديدا ذلك: مظاهرات هادئة، بل وقليلة المشاركين تحولت في لوائح الإتهام إلى "مشاركة في تجمعات ممنوعة". في حالة واحدة على الأقل، طلبت الشرطة تقييد دخول المتظاهرين إلى تل أبيب بحجة أن دخولهم "سيمس معنويات الشعب"، كما لو أننا في أزمنة أخرى أو أماكن أخرى، وليس في دولة ديموقراطية عام 2009.
إحدى الحالات المثيرة للسخط هي لائحة الإتهام التي قُدمت ضد ستة من أبناء الجنوب، وهم يهود، لأنهم أجروا في بئر السبع اعتصاما احتجاجيا قانونيا بشكل تام تحت عنوان "الجنوب مع السلام". في الإعتصام شارك عشرات اليهود والعرب الذين أرادوا الإحتجاج على استهداف المدنيين في الجانبين. رغم ذلك، اعتقل ستة من المتظاهرين، وبعضهم أودع السجن.
إن الإعتقالات الجماعية في التظاهرات هي فقط وسيلة واحدة من وسائل إسكات المتظاهرين. الكثير من المواطنين تحدثوا عن عرقلات، أوامر إبعاد، عنف شرطي، وتحقيقات من قبل الشاباك.
الحروب بطبيعتها، توجد جوا شعبيا سمته الحفاظ على "توحيد الصفوف". لكن للأسف، خلال "الرصاص المصهور"، بدا أن المجتمع الإسرائيلي تجاوز الحد الدقيق بين الوطنية والشوفينية.
الأجواء العنيفة في الشوارع وفي مواقع الإنترنت ضد من حاول أن يحتج على القتال أو طريقة إدارته، هي أمر مثير جدا للقلق. إلا أن حقيقة أن الشرطة الإسرائيلية، التي يفترض بها أن تدافع عن الديموقراطية، شاركت بشكل نشط بالتعرض، وبشكل غير مبرر، لحرية التعبير هي أمر خطير ومثير للقلق أكثر بكثير.
في تاريخ دولة إسرائيل، كما في كل ديموقراطية تحترم نفسها، ثمة حيز محفوظ ومحترم للتظاهر والإحتجاج اللذين كانا من معالم تطور السجال السياسي والإحتجاج الإجتماعي. هكذا كان الحال في مظاهرة الـ 400 ألف ضد حرب لبنان، أو احتجاجات حركة "الفهود السود". الآن، وبعد أن وصل القتال في غزة إلى نهايته، ربما نسأل أنفسنا لماذا في إسرائيل 2009 لم يعد بالإمكان إجراء مظاهرات كهذه.
("يديعوت أحرونوت" 4/2/2009)




















