سميح صعب
لعل من اكثر الامور غرابة ان تصعّد بعض الدول العربية الصديقة لاميركا حملتها على النفوذ الايراني في المنطقة مع اعلان الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما عزمه على اجراء حوار مباشر مع طهران لا يقتصر على ملفها النووي وإنما يتعدى ذلك الى قضايا الشرق الاوسط وحتى افغانستان وباكستان التي ترى الادارة الاميركية ان هناك ترابطاً في ما بينها خلاف ما كانت تراه الادارة السابقة.
الاستفاقة العربية غير المسبوقة على ايران وعلى "تدخل اطراف غير عربية في الشؤون العربية"، تبدو كأنها اعتراض على خطط اوباما في ما يتعلق بطهران. وهذا الموقف المتصاعد عربياً حيال ايران يستدعي التساؤل عما اذا كان هو وليد الخوف من نتائج أي انفتاح اميركي على ايران، أم انه ناجم عن تغيير في الاستراتيجية لدى بعض العرب لجهة اعتبار ايران هي العدو وليست اسرائيل؟
ويبدو ان الحرب الاسرائيلية على غزة والموقف الايراني الداعم لـ"حماس" هما السببان المباشران للاستنفار العربي ضد ايران.
إنما في خلفية الامور يكمن الخوف من وقائع جيوسياسية جديدة في حال التوصل الى تطبيع للعلاقات بين واشنطن وطهران للمرة الاولى منذ 30 عاماً.
أي ان هناك خوفاً عربياً من ان تؤدي واقعية اوباما الى الاعتراف بالنفوذ الواسع الذي حققته طهران خلال ثمانية اعوام من وجود الرئيس جورج بوش في البيت الابيض. وربما لو كان اوباما يريد حصر التفاوض مع ايران في شان ملفها النووي، لما كان كل هذا القلق العربي البادي الان.
وفي حين يردد أكثر من مسؤول اميركي ان لا بد من أخذ الدور الايراني في الاعتبار لدى البحث في الاستراتيجية الاميركية الجديدة في افغانستان، يخشى العرب المعتدلون ان تعترف واشنطن غداً بدور ايراني في البحث عن حل للصراع العربي – الاسرائيلي، بينما لا حاجة الى البحث في الدور الايراني في العراق باعتبار ان ذلك بات حقيقة واقعة من ايام الادارة الاميركية السابقة التي كانت تأخذ على العرب انسحابهم من العراق بعد الغزو الاميركي له.
وكان هذا الانسحاب العربي السبب الرئيسي في جعل ايران لاعباً اقليمياً وحيداً على الساحة العراقية. ولئن يكن العرب لم يفعلوا شيئاً لاقناع بوش بأن انسحابه من عملية السلام في المنطقة يدفع بقوى كثيرة في المنطقة نحو ايران، فإنهم يجدون انفسهم اليوم امام النفوذ الايراني الذي يشكون منه.
وليست المشكلة كما يصورها العرب المعتدلون بأنها تكمن في العلاقة بين "حماس" وايران. وإنما هي في السبب الذي جعل "حماس" تجد ايران اقرب اليها من مصر.
ان العرب لم ينسحبوا من العراق فقط بعد الاحتلال الاميركي، وإنما انسحبوا من الصراع مع اسرائيل من دون ان يحصلوا على الثمن.
ومحاولة العرب المعتدلين اليوم القاء اللوم على ايران في ما يعانونه من مشاكل بعيد كل البعد عن الواقعية، ولا يعدو كونه شبيهاً بسياسة النعامة.
ولو لم تجد ايران فراغاً في الساحة لما كانت تمكنت من التقدم. انه الفراغ العربي الذي ملأته ايران سواء أخذ البعض عليها خطابها الثوري او طموحاتها الزائدة.
ولا يناسب العرب اليوم ان يسيروا في المقولة الاسرائيلية التي تقسم المنطقة معسكرين، معتدل ومتطرف، واعتبار ان الصراع العربي-الاسرائيلي بات من الماضي، وان الحرب ضد التطرف اقنعت العرب بأن ايران هي اكثر خطورة عليهم من اسرائيل.
ومهما اظهر اوباما تململاً من الحوار المتوقع بين الولايات المتحدة وايران، فإن ذلك لن يغير في خطابه المقتنع بان الديبلوماسية الناشطة يمكن ان تحقق اكثر بكثير من سياسة البوارج.




















