حازم صاغيّة
إسرائيل تتطرّف. حقّاً تتطرّف. هذا هو عنوان العناوين اليوم في الإعلام العربيّ، المكتوب منه والمسموع والمُبصَر. التطرّف يبدو شفّافاً وفاقعاً في الانتخابات الوشيكة وفي الأحزاب والمرشّحين والبرامج، في تقدّم «ليكود» وبنيامين نتانياهو، ولكنْ أيضاً في صعود «إسرائيل بيتنا» وأفيغدور ليبرمان. هذا الحزب الذي ينوي، لو تُرك الأمر له، ترحيل «عرب إسرائيل» إلى أراضٍ فلسطينيّة حيل دون نشأة دولة فوقها، هو الذي تتسابق أحزاب المتن العريض على كسب ودّه. أكثر من ذلك: صار، هو نفسه، في متن المتن العريض، وغدا أقوى من حزب تاريخيّ كـ «العمل».
وإسرائيل، قبل ذلك، خاضت، في قطاع غزّة، حرباً هي تجسيد لنتائج التطرّف، ولاكتساح التطرّف وشموله. ظهر ذلك في الميدان، وفي حيوات البشر وأجسادهم والقليل الذي يمتلكونه مما أتت عليه النار.
أبعد من هذا: إسرائيل هي ذاتها قابليّة للتطرّف. نشأتها المحكومة بذاكرة الهولوكوست (المحرقة) والبوغرومات (المذابح) تؤكّد هذا الاحتمال. تأثّر ولادة الصهيونيّة بأفكار التفوّق القوميّ والعلمويّ التي سادت أوروبا القرن التاسع عشر يزكّي الاحتمال إيّاه. وأخيراً وقوعها في منطقة مغايرة، دينيّاً ولغويّاً، تتبادل العداء معها، يدفع في الاتّجاه نفسه.
هذا كلّه صحيح. لكنّ الصحيح أيضاً أنّنا نحن نتطرّف كذلك، فتقوى، عندنا، بين ليلة وضحاها، أطراف صغرى تصبح كبرى، وتضمر أطراف كبرى تمسي صغرى. وهذا ليس صحوة على الحقيقة، بل ترجمة للمسار نفسه الذي يجعل «إسرائيل بيتنا» يتقدّم، و «العمل» يتراجع. ذاك أن التطرّف يعزّز مثيله النقيض والعكس بالعكس، لا سيّما في حالة من الالتحام الوثيق والحميم كالتي يعرفها النزاع الفلسطينيّ/ العربيّ – الإسرائيليّ. هكذا «تتطوّر» سياسات الطرفين على إيقاع غير سياسيّ، أو قل على إيقاع انفجاريّ من طبيعة جيولوجيّة. الأسوأ هنا يحاكي الأسوأ هناك.
الصعود الاسلاميّ اليوم، الذي يحاول قضم «منظّمة التحرير الفلسطينيّة»، أبرز ثمار هذا التطرّف. استبعاد الدور التحكيميّ لمصر والجامعة العربيّة يندرج في الوجهة هذه. قبل ذلك، كانت عمليّات «حماس» الشهيرة قد أوصلت نتانياهو، في 1996، الى رئاسة الحكومة. ثم أدّت عسكرة الانتفاضة الثانية الى إيصال شارون. الأوّل كانت كلّ التقديرات تقول إنّه سيرسب أمام بيريز. والثاني كان لقبه «السياسيّ غير القابل لأن يُنتَخَب». استمرار المقاومة في لبنان بعد الانسحاب الإسرائيليّ في 2000 علامة أخرى بارزة على التطرّف (دع جانباً ذريعة مزارع شبعا).
أهمّ من ذلك هذا الاستعداد للتراجع عن كلّ ما تظاهرنا به: في 1990، مع التأييد «الجماهيريّ» لغزو صدّام حسين الكويت، كنّا نتراجع عمّا زعمناه من تقبّل للدول القائمة ووطنيّاتها. الآن، بالفم الملآن، نتراجع عن كلّ ما قطعته العمليّة التسوويّة منذ 1991، ونعود بالصراع إلى 1948، والبعض منّا إلى أيّام يهود خيبر.
ونحن، في هذا المعنى، قابليّة جاهزة للتطرّف، لا لأنّنا، بيولوجيّاً، هكذا، بل لأنّنا فاشلون في كلّ شيء آخر: في بناء دول ومجتمعات، في الإسهام بأيّ جهد جدّيّ (ما خلا الشعر) نشارك فيه العالم.
وهذا يشي بأن الاعتدال سطح وشكل فيما التطرّف عمق ومضمون نبحث عن الذريعة لإبانتهما. والذريعة توفّرها لنا إسرائيل عنفاً واستيطاناً، في مقابل الذرائع التي نوفّرها لها كي تتطرّف هي الأخرى.
وأغلب الظنّ أنّنا كي نعتدل ينبغي أن تعتدل إسرائيل، وكي تعتدل إسرائيل ينبغي أن نعتدل. وهي معادلة لا يصحّ نصفها من دون أن يصحّ النصف الثاني، ومن دون أن تمتدّ صحّة النصفين على مدى زمنيّ طويل نسبيّاً، كما تهبط إلى ما تحت سطح النفس «الأمّارة بالسوء» وزعمها الكلاميّ الكاذب.




















