الحياة
ما مدى راهنية الفلسفة في مجتمعنا العربي المعاصر؟ والى متى تبقى بعيدة عن وعينا الاجتماعي؟ وكيف يمكن أن نوظّف مقولاتها في بناء الواقع؟
في الإجابة على هذه الأسئلة يجهد مونيس بخضرة في «تاريخ الوعي، مقاربات فلسفية حول جدلية ارتقاء الوعي بالواقع» (الدار العربية للعلوم – ناشرون ، 2009) لإيضاح بعض الإشكاليات التي تعيق تقدم المجتمعات العربية المعاصرة، انطلاقاً من أن أزماتنا لا تحل إلا وفق رؤى فلسفية محضة وصارمة. لكن الفلسفة عندنا كما يقول المؤلف، لا زالت تخضع للفهم الحسي المباشر، الأمر الذي جعلها تصاب بالخواء، حيث حلّ خطاب القلب والوجدان والحدس محل خطاب العقل والمنطق والمنهج.
من هنا إن مهمة الباحثين والمشتغلين بالفلسفة الآن هي اكتشاف الفلسفة من جديد واستحداث بنية جديدة تحمل كل ما يساعد على قيام الحضارة، فالنهضة الكبرى التي نبحث عنها مستحيلة بدون فلسفة.
من منظور فلسفي يتناول المؤلف أصل المدينة والتفاوت بين المدن، فيذهب الى أن المدينة هي فضاء للحقيقة الإنسانية وممارسة العلاقات الاجتماعية التي طالما بحث الإنسان عنها في مراحل تطوره. فجميع الحضارات خرجت من رحم المدينة، والإنسان الممتاز هو إنسان المدينة. تاريخ العالم هو تاريخ الإنسان المتمدِّن وجميع العلوم ظهرت نتيجة تفاعل المدينة مع أهلها، وفي المدينة أيضاً وصل الإنسان الى أقصى حدود تطوّره التي جسَّدتها تعبيراته الرمزية.
لكن أغلب مدننا لا يزال يصارع البداوة، إذ لم تستطع المدينة المعاصرة أن تصحح أخطاءها ومساراتها، وبعدما كان الصراع متفشياً في الطبيعة أصبح الآن متفشياً في المدن، ليحدث العكس تماماً: البادية تنعم بالاستقرار والهدوء والمدن تتخبَّط في الجريمة والعنف والتشرُّد.
يرى المؤلف أن المدينة والمعرفة يشتركان في توفير السلام والأمن، ما جعل المعرفة مصاحبة في تاريخ تطورها للمدينة، وتحقيق الازدهار والقوة رهناً بازدهار المدينة، فالمدينة اساس الدولة. والتخلف الذي يصيب دولاً ما هو في الحقيقة عائداً الى تخلُّف مدنها، إذ ان المديـــنة مفــــتاح الدولة. واستقرار الإنسان في المدينة حدث مفصلي عبَّر الإنسان من خلاله عن تطوره وتحضره بقبوله العيش مع آخرين تربطه بهم مؤسسات وقوانيــن بعـــدما كـــانت القرابة الدموية هي الرابط الطبيعي والوحيد. فهل استطاعت المدينة أن تحافظ على هذه الغاية وهل تقدَّم الإنسان فعلاً في ظلها؟
الواقع ان الانحطاط الذي أصاب أغلب مدن عالمنا المعاصر أفقد الإنسان مكتسباته العظيمة من مواطنة وديموقراطية ورفاه وأمن، ورماه في أحضان القلق والخوف واليأس، ما جعل المدينة تنحرف عن الغاية التي وجدت من أجلها، فتآكلت من الداخل وسقطت أمام غزو البادية لتتحوَّل حواضر رعب وخوف.
ويحفر المؤلف في خلفيات ظاهرة العنف التي تتنامى بوتيرة مخيفة تهدّد وجودنا وقيمنا ومستقبلنا، بغية تعرية أصولها الفكرية، ليستنتج أنها من أقدم الظواهر التي عرفها الإنسان، ولكنها اليوم تعود مجمَّلة بدفقة جديدة من النماء، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية حيث تبدو وكأنها جزء من المخيال العربي الإسلامي وبنية من بنياته التاريخية الأنثروبولوجية. فما هو العنف؟
العنف في دلالته العربية هو استخدام القوة استخداماً غير مشروع، وهو مرادف للشدة والقسوة والخرق والتعدي، وفي الفكر الغربي معناه قهر الخصم بالقوة وكراهه على إبرام عقد لا يوجبه القانون. وثمة نظريات ترى في العنف ضرورة اجتماعية تمهِّد لمجتمع جديد، وهو ما يشبهه ماركس بالآلام التي تسبق الولادة.
في الأصول التاريخية للعنف رأى المؤلف أنها تعود الى ما قبل التاريخ التي عاش فيها الإنسان في صورة وحشية. وفي الحضارة الإغريقية يمثِّل العنف الفوضى التي تتعارض مع النظام والعدل. لكن أفلاطون برَّر عنف الدولة في بعض الحالات للحفاظ على سلامتها واستقرارها. وفي القرون الوسطى الأوروبية فرضت السلطة اللاهوتية أحكامها بالشدة والعنف. والعرب بدورهم عرفوا العنف قبل الإسلام في شكلا صراع بين الأفراد والقبائل، وبعد الإسلام في الصراع على الحكم.
مع عصر النهضة نجد توماس هوبس يتبنَّى مقولة الإنسان ذئب على أخيه الإنسان والكل في حرب ضد الكل، ونجد هيغل يعترف بالعنف كضرورة لحركة التاريخ، وماركس الى إلغاء الطبقات والعبور الى الشيوعية بالبطش والشدة، وفرويد يرادف بين العنف وغريزة الموت والدمار. أما أهم التنظيرات التي استمدت منها الحركات الأصولية روح العنف في المجتمعات العربية المعاصرة فنجدها في فتاوى المودودي وحسن البنا وسيد قطب وكلها تتبنى التغيير بالعنف والجهاد والدم.
هناك إذن إيديولوجيات تشرعن العنف وتبرِّره حتى في أشكاله التدميرية والعدمية مثل تفجيرات مدريد ولندن ونيويورك والدار البيضاء والجزائر، وهذا الإرهاب هدفه الأبعد، في رأي المؤلف، تدمير الدولة الحديثة.
في قراءة أسباب العنف في المجتمعات العربية المعاصرة رأى المؤلف أنها كامنة في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية، وإخفاق الأنظمة العربية المستبدة في إيجاد حلول ملائمة للأزمات التي تهدد مستقبلنا ووجودنا. وإذ طرح التسامح حلاً لمأزق العنف المتمادي، استعاد أفكار وأطروحات كانط في السلام الدائم ولوك في التسامح وروسو في المساواة وهيغل في فلسفة الحق، كونها تمهِّد لقبول الآخر والترحيب به حيث «يصير وجود الآخر ضرورة لي ووجودي ضروري للآخر». فالحب والتسامح هما الطريق الأمثل لمجتمع تحكمه علاقات سلمية بين الأفراد والشعوب.
في نظرة إجمالية الى الكتاب نرى أن المؤلف توصَّل الى تفكيك ومراجعة بعض إشكاليات الفكر العربي المعاصر، لكن خطابه اتسم في كثير من الأحــيان بالسطحية والعشوائية، اضاـفة الى منهجه المضطرب والملتبس وازدحــام كتــابه بأخــطاء لـــغوية غير مقــبــولة. كما أن ثمة أسئلة وعدنا بالإجابة علـيها ظلـَّت ثـقيلة وضـاغـطة.
فكيف تحوَّلت المدن الى حواضر رعب وخوف وما علاقة ذلك بالإنماء غير المتوازن بين الأرياف والمدن، وباختلال العدالة الاجتماعية بين فئات المجتمع الذي راكمته الفورة الديموغرافية وعمَّقه تمركز الثروة. ما الرابط بين استشراء العنف جنباً الى جنب مع استشراء الفقر، وما مغزى الصلة الوثقى بين خريطة البؤس والقهر وخريطة الإرهاب في عالمنا المعاصر؟ أليس لاغتصاب الصهيونية فلسطين وتعدِّيها على حرمات العرب والمسلمين أثر مركزي في الحركات الموسومة بالعنف؟ أليس العنف في جانب كبير منه ردَّاً عل ارادات السيطرة والاستعلاء والهيمنة؟ وهل سيكون لخطابات السلام والتسامح والمساواة التي بشَّر بها فلاسفة الغرب صدى ممكناً في ظل الأوضاع التي تعيشها الشعوب العربية والإسلامية؟
أسئلة وتساؤلات ظلت مقاربات المؤلف بعيدة منها وإن كان قد دار حولها بحياء شديد.




















