* الأحد 1/2/2009: انتخابات
موسم انتخابات في المشرق: مجالس المحافظات في العراق، الكنيست في إسرائيل، رئاسة الجمهورية في إيران، مجلس النواب في لبنان.
إنها الديموقراطية، ولكن…
في العراق لم يشفَ الناس من وطأة الديكتاتورية، فيستمعون كثيراً لرجال الدين ويستمعون أكثر الى خوفهم، ليس من الديكتاتور هذه المرة إنما من الجماعات الأخرى في الوطن.
في إسرائيل، العقدة إياها منذ العام 1948. الخوف من المحيط، والرهان على تحطيم العرب ومنع تقدمهم. وهو الخوف للمرة الألف أو المليون، كأن شيئاً من الإثم يعوض الإسرائيليون عنه بالعنف، بانتخاب دعاته العنصريين.
في إيران، نظام جديد لم يتقبله الشعب بعد. ينتخب الناس شخصاً ونهجاً، ثم لا يستطيع الشخص ممارسة نهجه. ثمة من يفرض العزلة على من يريده الشعب.
كيف تتجاوز الديموقراطية الإيرانية أزمة عهد محمد خاتمي الذي نجح ثم منع من الحكم؟
لا يمكن للديموقراطية أن تقتصر على الشكل.
في لبنان، أُدخلت الميليشيات في الدولة فأنهتها، صار لبنان دولاً كثيرة في دولة أو شبه دولة.
لن تكون انتخابات في لبنان، بل صراع أساطير وتنافس سلاح ومال.
لكن الأسطورة الناجحة هي ذلك الشعب القادر على العيش في ظل قياداته العجائبية.
* الاثنين 2/2/2009: من بول شاوول
من «بلا أثر يذكر»، الكتاب الجديد للشاعر بول شاوول (دار النهضة العربية – بيروت 2009) نورد المطلع والنهاية:
– «… ينتظر، يومياً، ذلك الرجل الذي يجلس وحده في المقهى، الى الطاولة نفسها وفي الميعاد نفسه، وبالملابس نفسها، وبالسيجارة نفسها.
ينتظر. ينتظر ذلك الرجل المحني على ذاته والذي يبدو له، ومنذ مدة لا بأس بها إنه رجل كان رجلاً آخر، أو رجلاً سيكون رجلاً آخر، أو رجلاً في رجل آخر، أو رجلاً آخر من رجال آخرين. يطلب فنجان القهوة يرفعه الى شفتيه ليحتسيه رجل آخر، يفتح الجريدة أمامه ليقرأها رجل آخر. يشعل السيجارة ليدخنها آخر. وعندما يهم بالوقوف، يغادر أمامه أشخاص آخرون. وعندما يعود في اليوم التالي ويجلس في المكان ذاته من المقهى، يطلب من جديد فنجان قهوة، ليحتسيه من جديد رجل آخر…».
– «… وعندها كان للآخر أن يدخل من باب المقهى. يسحب الكرسي ويجلس ثم يطلب فنجان قهوة، يسحب سيجارة غولواز بلا فلتر يشعلها، يمجها بإتقان شديد. يسوي نظارتيه ويبقى وحده في نقطة معزولة: الصورة المفقودة في مقهى ما: في مدينة ما: في منزل ما: في وقت ما.
ثم يطفئ السيجارة ينظر حواليه ينهض ثم يجلس. ثم ينهض. ثم ينظر ثم لا يجلس ولا ينهض. ثم يبقى. ثم يغادر. ثم يعود. ثم يمج سيجارة. ثم يطفئها. ثم يتحسس جسمه. فيديه. ثم يجلس.
لقطة مكبرة على حذائه اللماع.
لقطة بانورامية على متاعه الأخير: علبة السجائر. المنفضة. القلم. الجريدة. النظارات. ثم أخيراً أصابعه على الطاولة. وحدها. بلا مثيل. ولا قرين. ولا شيء يذكر».
نص واحد في 77 مقطعاً، حيث الشعر والدراما يتوحدان في مشاهد وحفر في الذات، وحيث اللغة المقتصدة تتيح للقارئ أن يكمل المشهد (أو المشاهد) من أشياء خياله، من أشياء مكانه الخاص.
حفر في الذات لكنه يشير أيضاً الى عوالم متعددة، قريبة وبعيدة. ذلك أن حيز المثقف الخاص به هو أيضاً شأن عام، فلا قراءة صحيحة لمرحلة إلاّ من خلال شعرائها وحساسياتهم.
المثقف حاضر في المقاطع كلها، حضور المتعدد، لكن العصب الدرامي يُنطق الأشياء المحيطة ومعها نبض الإحالات الى غير اسم وفكرة ومكان.
الأنا/ الآخر الوحيد في «بلا أثر يذكر»، غير معتزل ولا معزول. انه في ضجيج الشأن العام، يختزله الى محيط حميم ومتوتر في آن. الشعر الدرامي هنا يؤثثه بول شاوول من جديد بعدما كان مقصوراً على قصائد هنا طويلة لشعراء عرب كثيرين، يبررون طول القصيدة بالدراما دفعاً لملل، لا جزءاً من تكوين فني.
هذا الشاعر، لطالما اعتبرنا ديوانه «أوراق الغائب» (من بين أعماله الشعرية الصادرة منذ سبعينات القرن الماضي) نموذجاً لقصيدة النثر العربية مؤثراً في أجيال لاحقة من الشعراء، لكنه لا يقف عند إنجاز/ مَعْلم، إنما يتجاوز نفسه في حسّ تجريبي يليق بالشعراء الشهود.
* الخميس 5/2/2009: التخفف
بعد سنوات من الإقامة في مدينة سيدني الاسترالية، استقر صديقي المهاجر في مزرعة صغيرة بعيدة. قال إنه يبدأ الآن حياته كمهاجر محققاً حريته وولادته الجديدة.
كانت سيدني تذكره ببيروت أو بدمشق أو بالقاهرة، أي بمدينة مثقلة بالتاريخ، ربما لا تحمل المدينة الأسترالية أثقال المدن العربية لكن عمرانها المتراكم يذكّره بالتاريخ المتراكم في مدن أجداده.
يعطي صديقي سبباً للهجرة غير الاقتصاد والأمن. إنه الحاجة الى التخفف من ذاكرة مثقلة تطبق على الإنسان فتمنعه من الانفتاح ومن التأمل في الطبيعة وفي مسار حياة الفرد والجماعة. هجرة تؤدي الى ما يمكن تسميته «عيش الغربة» حيث حرية تشبه حرية الطفل ودهشته الأولى تجاه الأشياء والبشر. (اكتشاف جديد للعالم وتجارب وتصورات أولى لمعنى الوجود).
الهجرة هنا نوع من التخفف، فكأن التاريخ حمل ثقيل على الكتفين، حتى إذا هاجر الإنسان يرتاح من حمله ويصير خفيفاً مرحاً يتحمل مسؤوليته الخاصة به بدل أثقال آبائه وأجداده. (والهجرة هنا أيضاً شكل من النسك إذا تعذر النسك في الوطن).
اختار صديقي المهاجر الإقامة في مزرعة وقلّص عدد المحطات الفضائية على تلفزيونه لئلا تبث أثقالاً تركها. لذلك ينجح في الاندماج في وطنه الجديد، بل يتفوق على الآخرين لأنه متخفف من التواريخ، فكأنه ولد في الغابة هناك مثل إنسان ابن طفيل المسمى «حي بن يقظان».
* الجمعة 6/2/2009: ايلاريون كبوجي
ليس المطران ايلاريون كبوجي استثناء، ففي الحربين العالميتين، الأولى والثانية، انحاز رجال دين مسيحيون الى شعوبهم حين احتلت الأرض. ولا تخلو روايات ومسرحيات وأفلام أوروبية من ذكر هؤلاء الذين يؤوون المقاومين أو يساعدونهم في عبور منطقة معينة الى حيث يقومون بعمليات ضد الاحتلال.
ليس كبوجي استثناء في الشرق كما في الغرب. هذا المطران الكاثوليكي العربي المولود في حلب عام 1922، دفع ولا يزال يدفع ثمن انحيازه الى الحق الفلسطيني والعربي في الحرية والاستقلال.
حين كان مطراناً للقدس، حكمته إسرائيل بالسجن 12 عاماً بتهمة تسهيل النضال الفلسطيني المسلح، وأفرجت عنه بعد ثلاث سنوات بمسعى من الفاتيكان، فأقام في الحاضرة الكاثوليكية وكاد ذكره يختفي، ليظهر قليلاً عبر تقديمه كتاباً أميركياً ينقد الحرب على العراق، وعبر مشاركته في رحلة سفينة «الأخوّة» اللبنانية لإيصال مساعدات غذائية وطبية الى قطاع غزة المحاصَرَة، واعتقاله في إسرائيل مع المشاركين الآخرين والتحقيق معه ثم تسليمه الى سورية بواسطة قوات الطوارئ الدولية.
في 1/10/2008 وجه ايلاريون كبوجي رسالة من منفاه في إيطاليا الى الشعب الفلسطيني لمناسبة عيد الفطر. ومما جاء في الرسالة:
«قم يا عبدي لأقوم معك. اللهم أهدنا الصراط المستقيم ووحدنا كما أنت واحد. وحدة الصف، التضامن، حجر الزاوية. الأساس والمنطلق والسلاح الفتاك لما إليه نصبو من تحرير وتحرر. كل بيت ينقسم على نفسه يخرب. ان الانقسام العميق القائم حالياً بين أخوة البارحة وأعداء اليوم يدمي فؤادي. إنه سبب الضعف والضياع الذي منه نعاني حالياً… ولا يغير الله ما في قومٍ حتى يغيروا ما في أنفسهم، لذا باسم الله الواحد الأحد، بدم شهدائنا الأبرار، بدموع اليتامى والأرامل والثكالى، وبعذابات إخوتنا المساجين الأبطال، أستحلف الجميع أن يضعوا حداً لخلافاتهم، أن يوحدوا صفوفهم. أن يتحاوروا ولا يتقاتلوا، كي نحقق ما إليه نصبو من حرية وعزة وكرامة».
"الحياة"




















