فارس خشّان
المواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، في الإحتفال الذي أقامته قيادة الجيش لتوكيد الولاء لـ"لوطن"، تستحق أن تفرض نفسها على جدول الإهتمام اللبناني.
ذلك أن الرئيس الآتي إلى رئاسة الجمهورية بسيرة ذاتية تميزت في مفاصل عدة بالإعتدال والإستقلالية، يجهد في تثبيت خطوط عريضة للموقع الدستوري الأسمى في لبنان، ليعكس نفسه على كل المواقع الأخرى في البلاد، دستورية كانت أم سياسية.
وما قاله الرئيس سليمان في احتفال قيادة الجيش الذي كان يمكن أن يكون جامعا أكثر ليكون الشهود على ما جرى التعهد به أوسع تمثيلا وتاليا أكثر تأثيرا في سياق صناعة الإرادة الشعبية اللبنانية، لا تشوبه اختلافات جوهرية عن تلك التي طالب بها الشعب اللبناني في التجمع التاريخي الذي احتضنته كل ساحات وسط بيروت في الرابع عشر من آذار 2005.
ويُبيّن التدقيق بهذه المواقف أنها تتقاطع إلى حد كبير مع تلك التي كان يجهد من أجلها كل قادة تحالف الرابع عشر من آذار، سواء على مستوى علاقة الأجهزة الأمنية مع الوقائع اللبنانية، أو على مستوى العلاقة السليمة مع الدولة السورية، أو على مستوى الشروط الدنيا للقبول بأي تعاون مع مفهوم "المقاومة" حتى لا ينحرف إلى الفئوية.
وفي هذا السياق، وقياسا على الشكاوى العديدة التي تصدر من القاعدة و"توئدها" القمة وانطلاقا من فرضيات "الفضائح" التي أصبحت تسيطر على الهواجس اللبنانية، لا يمكن المرور مرور الكرام على تأكيد الرئيس سليمان، وبسلوكية تأهيل الرسل والمبلغين، أن الثقة بالأجهزة الأمنية لا تأتي بالفرض إنما بالمثل الصالح، أو بالتهويل إنما بالممارسة السليمة، أو بممارسة الضغوط إنما بتقديم النموذج الإيجابي.
وليس مجرد تفصيل أن يتوجه الرئيس سليمان إلى الجيش وكل القوى الأمنية، في هذه اللحظة بالذات، بالدعوة إلى أن "يثبتوا مصداقيتهم الكاملة خلال الانتخابات عبر عزل الجيش عن التعاطي السياسي والتصرف بشكل مدروس للغاية، فالأمن أساسي للانتخابات، ويجب إشعار المواطنين بأنكم لا تتعاطون بها".
وهذه الدعوة التي أعقبت مرور سليمان على انتقادات "يجب قبولها " للمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، من الواجب أن تتفاعل.
وتأسيسا على التفاعل مع التوجه الرئاسي، فإن من نافل القول ان نشوء الجيش اللبناني في مناخ ديموقراطي، يجب ألا يسمح لبعض المصطادين بالماء العكر، أن ينجحوا في محاولة تصوير الإنتقادات الموضوعية والتعبير عن الهواجس التي تجتاح فئات كبيرة من الرأي العام، على أنها "معركة" ضد المؤسسة العسكرية.
ذلك أن هذه الإنتقادات تصدر عن جهات، محت بجسدها الخطوط الحمر، ومنعت برصيدها من ضرب الثقة بالمؤسسة العسكرية عندما ظهرت هذه المؤسسة مشلولة في "غزوات" السابع من أيار الماضي.
وليس إلا من باب إرادة تحصين الثقة الواجب توافرها بالمؤسسة العسكرية، ينطلق السؤال الكبير عن بعض قرارات الفصل.
وهنا بالتحديد، لم تصدر اعتراضات على ما حصل مع ضباط وقعوا كتاب الإستقالة بسبب ما حصل في السابع من أيار، وتاليا يصبح من الواجب تفهم تلك الإنتقادات التي تتوجه إلى من يسعى إلى تعويم من أسقطت نهجهم، "ثورة الأرز" في الرابع عشر من آذار، التي يدرج الرئيس سليمان حمايتها، في إطار الإنجازات الذهبية للمؤسسة العسكرية.
وانطلاقا من هذا الفهم الرئاسي لوظيفة المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية التي لا يفهم أحد حياديتها في العملية الإنتخابية على قاعدة سلوكيتها في يوم السابع من حزيران المقبل، بل في مسارها العام من الآن حتى ذاك التاريخ المفصلي في حياة لبنان، يمكن التطلع بعمق إلى ما قاله الرئيس سليمان عن الشرط الوجودي لما يسمى "المقاومة" في لبنان.
وفي هذا السياق بالتحديد، يندرج كلام الرئيس عن الطريقة الوحيدة التي تمكّن لبنان من تجاوز الخطر الإسرائيلي، بحيث لا تبدو المسألة بالنسبة إليه مجرد معادلة إستراتيجية لن تستقيم بين الصامد على الجثث والتدمير وبين "المنهزم" على حساب الوظيفة المبررة لوجود لبنان المتعدد، بل هي مسألة عمودها الفقري "لبنان الموحد وهو عنوان المقاومة الحقيقية ضدها".
إذاً، الرئيس سليمان، وللمرة الأولى يُدخل على الأدبيات اللبنانية تعبير "المقاومة الحقيقية"، وتالياً فإن كل "مقاومة" تنفرد بأخذ لبنان إلى التدمير، هي مقاومة "غير حقيقية "، وكل مقاومة تأخذ لبنان إلى التمحور خارج عروبته هي مقاومة "غير حقيقية"، وكل مقاومة تستعمل سلاحها في الداخل، مهما كانت الحجة هي مقاومة "غير حقيقية".
ولا يستطيع "حزب الله "الذي استمع إلى رئيس البلاد يدفع المؤسسات العسكرية إلى توكيد وجودها بتعميم الثقة بسلوكيتها، إلا أن ينصاع للتوجه الرئاسي، لأن المؤتمن على الدستور، لا يستطيع أن يزوّر روح قسمه، في خدمة التجارة بالسياسة.
ومن هذا المدخل أيضا يأتي الحديث عن العلاقة مع الدولة السورية القائمة، بحيث لا خلاف معها، في أي يوم من الأيام على العداء لإسرائيل، إنما على تدخلها بالشؤون الداخلية للبنان.
وهذا التدخل لا ينحصر بمحاولة فرض إرادة الدولة السورية على القرارات اللبنانية، بل يتعداه إلى شؤون التدخل في كيفية محاربة إسرائيل، بطريقة تجعل من لبنان مجرد متراس لحماية النظام السوري تمتيناً لأوراقه التفاوضية.
وما قاله الرئيس سليمان في هذا الإطار لا يوجهه إلى القيادة السورية إنما إلى اللبنانيين الذين يترأّس بإرادتهم الجامعة جمهوريتهم، على اعتبار أن التدخل بعمل الأجهزة الأمنية يتم من خلال هذه الأجهزة بالذات، والتدخل بشؤون الإدارة يتم عبر هذه الإدارة بالذات، والتدخل برسم ملامح مواجهة إسرائيل يتم بتنسيق مع "حزب الله" من خارج إطار أي سياق رسمي أو شرعي.
كلمة الرئيس سليمان محبوكة بعناية. ملؤها الرسائل الصدامية التي لا يُحسن كتابتها بلغته السلسة المملوءة وفاقاً وتفهماً و… ابتسامات.




















