-1-
لا حدود للخيال عند الشاعر، ومن هنا تأتي أهمية الشعـــر واستيقاظ الشعراء وتحفزهم لالتقاط كل ما تجود بـه مخيلتهم. وكلما أبحر الشاعر في دنيا الخيال دونما قيود تحدد طاقته، يكون ما ينتجه من شعر جديـــراً بالانتماء إلى هذا الفن النبيل القائم على التخييل ومخالفة الواقع في تفاصيله لا في جوهره. ومنذ دهر سحيق والشعراء الجديرون بهذه التسمية يسافرون بأحلامهم وأخيلتهم فوق الواقع، وفوق الفصول والأيام، فوق الشتاء والصيف والربيع والخريف. قد يعيد بعضهم إنتاج هذه الفصول في بعض قصائده لكنها تكون فصولاً أخرى، لها ألوانها وموسيقاها ودفئها أو صقيعها، ولها ورودها وعصافيرها وكينونتها المستقلة بصفتها فصولاً من كلمات منتشرة على الورق.
ذلك بعض ما أثارته في نفسي القراءة الأولى لديوان الشاعر السعودي عبدالله ثابت. وهو شاعر وروائي خرج إلينا فجأة كما تخرج شمس الشتاء الدافئة في نهار غائم. العنوان الرئيس للديوان هو «كتاب الوحشة»، وفي تواضع مدهش يضع عبدالله ثابت فوق العنوان العبارة الآتية: «كائن يقف في الظلام ويقول شيئاً»، وفي هذه العبارة الشديدة التواضع والإيجاز الشيء الكثير مما كان هذا الشاعر يرغب في أن يقوله ولم يقله، وفيها أيضاً ما لا حد له من الاحتجاج الصامت على الواقع العربي الذي أقل ما يفعله بنا أنه يمنعنا من أن نقول كل أو حتى بعض ما نرغب في أن نقوله، أليس نتاجاً لزمن الوحشة وللأرض التي امتلأت بالوحشة؟!
الديوان صادر عن دار الآداب (2009) والإهداء الممهور بتوقيع الشاعر يأتي إلى اثنين، أحدهما «الأرض» والآخر قبضة الطين التي تكوّن منها الشاعر نفسه: «إليك أيتها الأرض الشاسعة بكل البشر والكائنات لن أسامحك… أما أنت يا قبضة الطين التي خُلِقْتُ منها… أنا آسف، لم أتوقع كل هذا!»، ولنا أن نضيف في نهاية الإهداء العبارة الآتية استيحاءً من عنوان الديوان «ولم أكن أتوقع هذا القدر من الوحشة».
يتألف الديوان من نواح خمس هي: «ناحية الليل والأمصال، ناحية الإشارات، ناحية الكحل والحريق، ناحية الخواتم والخراب، ناحية الجو». وسأبدأ من الصفحة الأخيرة بصفتها آخر الزفرات في كتاب الوحشة: «يا الله…/ حينما خلقتني منجلاً/ ليت أن الطريق كانت سنابل!» (ص 109)
أمنية صغيرة ومفاجئة تنغرس في قلب الواقع لتفضح ما يحيط به من نتوءات وتناقضات، وتطرح نفسها على القارئ بصفتها خيالاً شعرياً لا حقيقة منطقية وتهويماً تجريدياً لا يخلو من ملامسة واقع الحياة وطريقها الطويل المملوء بالأشواك والأفاعي. وما لا يقوله النص الصغير من مزالق ومخاطر تبدو أكثر وضوحاً في النص قبل الأخير: «واواوا… وااأاوه،/ اللهم يا الله،/ أرجوك.. خذ بذراعي النحيلة هذه،/ فقد غسلتها من الناس…/ خذ بها إلى يقين لا يتكلمون عنه، ولا تفوح منه/ رائحة الدم والخيانات/ وأطعمني بملعقتك التي تطعم بها أنبياءك/ وكلما سألت الزمن والرفات…/ فلتضع تحت لحافي عروسة من القطن،/ وكلما خفت من الليالي، فلتمسح شعري الجعد،/ وربّت على منكبي بشفقة…/ ضعني في حجرتك، وقل لهم أشش…/ لا توقظوه!» (ص 108)
هكذا، وبوتائر لا تختلف كثيراً وتجليات تعبيريه فائقة يرسم الشاعر عبدالله ثابت وحشته في كتاب شعري ينتمي إلى الحداثة في أصفى حضوراتها وأقربها إلى الله والإنسان.
-2-
كم يبدو الشاعر عبدالله ثابت في هذا العمل الإبداعي حزيناًً، بل شديد الحزن، إلاَّ أن حزنه هذا الغائر في أعماق الذات يعكس بدرجة عالية أحزان من حوله من البشر وما حول هؤلاء البشر من أفعال لا تنسجم مع ما ينبغي أن تكون عليه حال الإنسان في زمن توافرت فيه ومعه كل الإمكانات المادية والمعنوية. بعض أحزان عبدالله ترافقه منذ طفولته ولا تكاد تفارقه بصفته واحداً من أبناء هذه الأمة التي اقترفت إثم التخلف، فكان جزاؤها أن يخضع أبناؤها الطيبون لطاقة حزن لا تنضب، وهي طاقة تزيد وتنمو مع زيادة الوعي ونمو الإدراك بما ألحقه التخلف من آثام في حق الفرد والجماعة على السواء: «اكتب هذه الوحشة/ لأنني حزين بالضرورة، لأنني ولدت في الشتاء، في وقت متأخر من الليل. أبي كان قلقاً، وأخوتي كانوا خائفين، والفانوس كان مشدوهاً، ووالدتي التي تتألم، كانت قد توحمت بعويل رياح، وعندما كانت تغفو أمي تلك الليلة قليلاً، كانت ترى جسدها يتحول إلى شُبّاك خشبي، وأن الليل صار هتافاً مطلاًّ على شفير الوادي، وأنه تطيح من أحشائها أغنية…/ أنا حزين بالضرورة لأنني لم أولد/ لقد طحت من بطن أمي». (ص 9)
ليت أن وقفتنا تطول مع الصفحات الأولى من هذه المجموعة الشعرية، لأنها ترسم لنا بمهارة وجدارة أسباب الحزن الذي يستحوذ على حياة الشاعر وكلماته، ومنه يغترف ويكتب من دون حاجة سوى إلى قدر قليل من التخييل وعناء الإفضاء: «وأكتب حين أكتب…/ لأن الكلمات حطبٌ وجوديٌّ جائع، وجبهتي منجل، والشعر معصيتي، وأنا هارب قديم من الأسلاك، كلماتي على ظهري، وذخيرتي في فمي، ومن بين أسناني تتواثب/ سباع نهمة!». (ص10)
لا تكتمل الصورة عن حزن الشاعر ما لم تتم الإشارة إلى هذا المقطع الذي يساعد من دون شك على إضاءة الخلفية التي تكوّن عبرها هذا الحزن ونما وأثمر هذه النصوص الشعرية البديعة والمبهرة بما حملته من تكوينات تعبيرية مدهشة: «وأكتب لأنني يتيمٌ ومنهكٌ جداً، وألهث خلف منامٍ بنفسجي.. مرةً يأتي على شاكلة خيطٍ متهدل بين إصبعي رجلٍ لم يأخذ بثأره بعد، ومرة يأتي كامرأةٍ تحكّها سرتها، ويأتي كثيراً كنسيان…». (ص 11)
في المقاطع الثلاثة السابقة التي اجتزأناها من الصفحات الأولى للمجموعة لم يكن همنا أو شاغلنا البحــــث عن الأسباب التي أدت إلى انثيالات هذه الأحزان الداكـــنة في شعر عبدالله ثابت بقدر ما كانت بحثاً عن جواب لسؤال أهم وهو: لماذا يكتب عبدالله ثابت أحزانه وما الدوافع والمحرضات التي تقف وراء هذا البوح المتمرد الصادم الذي يقدم الشاعر على هذا النحو: «ها أنا أخور مثل ثيران الحرث/ وأجأر…/ أنني ظامئ لشيء مهيب وغامض،/ شيء يربض على صدري كنهرٍ أليف/ جائع للحقيقة،/ ولو بحجم نملة سوداء». (ص 12)
أخيراً، إذا كانت قراءة المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر عبدالله ثابت تتطلب زمناً طويلاً، فإن الكتابة عنها تحتاج إلى زمن أطول من زمن القراءة للاقتراب من فضاءاتها الواسعة وللتأمل العميق في مكوناتها الفنية والرؤيوية، لكنني أرغب في ألا أغادر ساحة هذه القراءة الأولى قبل الإشارة إلى «مفردة» لم تعجبني في لغة المجموعة وهي «مصل» و «أمصال»، لا لأنها كلمة غير شعرية، فليس هناك كلمات في القاموس ليست شعرية وإنما لأنها تكررت كثيراً في الصفحات بصفتها عناوين، ولأنها تذكّر القارئ بالمرض والمرضى والأورام ومشارط الأطباء. وهي ليست مصدر أسى عبدالله ثابت وأحزانه من دون شك.
" الحياة"




















