بدا التدفق الإخباري متزاحماً بما يعبر عن وجوه متقاطعة للحالة الفلسطينية في آخر أبعادها المأسوية، نتيجة لتوحش إسرائيل المعلن في قطاع غزة، والمستمر بغير إعلان في الضفة الغربية. وحينما استقبل الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما قبل أيام مبعوثه الخاص جورج ميتشل للاستماع إلى نتائج جولته الأولى في المنطقة، كانت هذه إيماءة مبكرة الى حرصه على متابعة الموقف أولاً بأول.
وكانت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون قد اجتمعت بجورج ميتشل أيضاً لمدة ساعة وقالت بعدها إنه شرح الخطوات اللازمة التي بحثها مع جميع الأطراف في المنطقة للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار (في قطاع غزة)، معلنة أن ميتشل سيعود إلى المنطقة قبل نهاية الشهر الجاري. لكن الوزيرة الأميركية قطعت الطريق على أي مفاوضات مباشرة مع «حماس» ما لم تقبل بشروط الرباعية الدولية، وهي الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف واحترام الاتفاقات التي وقعتها السلطة الفلسطينية مع إسرائيل. إذن في هذه المرحلة فإن الأولوية الأميركية هي لاستعادة وقف إطلاق النار وبشكل دائم وعلى أساس اتفاقية المعابر التي سبق لسلطة محمود عباس إبرامها مع إسرائيل برعاية أميركية في 15/11/2005.
لكن المشكلة هنا تظل غياب الأفق العام لهذا الذي يجري، وإلا أصبح كل المأمول إنجازه هو المزيد من الشيء نفسه. فالشرط المطلوب من «حماس» الآن هو تسديدها مسبقاً ما سبق للسلطة الفلسطينية تسديده أيضاً، ومسبقاً، من دون أن يؤدي هذا إلى أي إنجاز تفاوضي حقيقي بالنسبة الى الأراضي المحتلة. كل ما جرى هو «تنظيم» الاحتلال بدلاً من إنهائه. وحتى ملف الأسرى الفلسطينيين لدى الاحتلال الإسرائيلي – وهم أكثر من 11 ألفاً – لم تتحرك إسرائيل فيه قيد أنملة. وإذا كانت المجزرة التي مارستها إسرائيل في قطاع غزة أخيراً، لمدة 22 يوماً، روعت العالم فإن إسرائيل لها ملف متضخم ومتكرر من المجازر ضد الفلسطينيين من قبل حكم «حماس» لقطاع غزة. مجازر بحجم ما فعلته في جنين (2002) وفي رفح (2004) وفي جباليا (2004).
والآن لدينا وجه إيجابي يعبر عنه تحرك الإدارة الأميركية من أسبوعها الأول بإيفاد جورج ميتشل إلى المنطقة، وله فيها سابق تجربة منذ سنة 2000. لكن في اليوم نفسه الذي استقبله فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما كانت الدانمرك تشهد وجهاً آخر للتوجه الأميركي نفسه. ففي كوبنهاغن بدأ اجتماع رتبت له أميركا، وحضره مسؤولون من وزارات الدفاع والخارجية والاستخبارات. هؤلاء يمثلون أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا وإسبانيا وهولندا والنروج والدانمرك. والهدف المعلن إعلاميا للاجتماع هو وضع ترتيبات لمنع وصول الأسلحة إلى حركة «حماس» في قطاع غزة.
المثير للتأمل في هذا الجانب هو أن اجتماع كوبنهاغن يجيء تنفيذاً لمذكرة تفاهم، كان قد جرى التوقيع عليها في واشنطن في 16/1/2009، بين كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية في حينه وتسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل. المذكرة عبرت عن اتفاقية خطيرة مفاجئة، خصوصاً أن الملتزمة بها كانت إدارة أميركية غاربة لم يكن باقياً على خروجها من السلطة سوى أقل من أربعة أيام، يومان منها إجازة رسمية. لكن مضي إدارة باراك أوباما الآن في الالتزام بتلك المذكرة، وحماسها في المسارعة الى تنفيذها، يعني أنه جرى التشاور معها بشأنها مسبقاً.
الغطاء المختار لمذكرة التفاهم تلك كان منع إعادة تسلح حركة «حماس» ووقف تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة. لكن مسارعة فرنسا إلى إرسال إحدى سفنها الحربية بموازاة ساحل غزة، وتلقي مصر رسالة مشتركة من حكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا، والآن الترتيب لهذا الاجتماع الطارئ في كوبنهاغن بين عشر دول تتقدمها أميركا، كل هذا أصبح مؤشراً ملفتاً لأوضاع واهتمامات أمنية مستجدة. تلك الترتيبات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية تشمل منطقة متسعة من مضيق جبل طارق غرب البحر المتوسط إلى خليج عدن مروراً بالبحر الأحمر إلى مضيق هرمز مروراً بالمحيط الهندي. هل تصلح لافتة «منع إعادة تسلح حماس» غطاء لكل هذا، ومن تحت عباءة عشر دول تجمع بينها عضوية منظمة حلف شمال الأطلسي؟ لقد كان مفهوماً هنا توجس مصر من هذا الذي يجري وأيضاً – حسب ما نشر صحافياً – أن ترفض دعوة أميركية لها للمشاركة في مؤتمر كوبنهاغن هذا
(4 و5/2/2009). التوجس هنا منطقي ومبرر، خصوصاً أن واشنطن لم تأخذ في الاعتبار مصالح مصر عند توقيع مذكرة التفاهم مع إسرائيل، ولا حتى تشاورت معها مسبقاً.
في الوقت نفسه تابعنا اجتماعاً تشاورياً في أبوظبي لوزراء خارجية تسع دول عربية قالت عنها التقارير الإعلامية إنها تمثل «معسكر الاعتدال» في العالم العربي (في مواجهة معسكر الممانعة). وذكرت ثلاثة اهداف للاجتماع: أولها دعم جهود المصالحة الوطنية الفلسطينية الهادفة إلى إنهاء حالة الانفصال بين غزة تحت سيطرة «حماس» منذ صيف 2007، والسلطة الفلسطينية في رام الله. ثانياً تقديم دعم عربي لمحمود عباس للتجاوب مع مقترحات يقال إن جورج ميتشل المبعوث الرئاسي الأميركي كان قد طرحها لاستئناف التفاوض الإسرائيلي الفلسطيني بعد أسابيع من مؤتمر المانحين لإعادة إعمار غزة المقرر انعقاده في مصر في الشهر المقبل. وثالثاً إعطاء رسالة إلى «معسكر الممانعة» بأن أي مصالحة عربية ستتوقف على مدى تكيف حركة «حماس» مع الترتيبات الجديدة.
في الواقع إن كل هذه الوجوه المتقاطعة تبرز الخلل المتزايد أخيراً في توازن القوى في المنطقة. فإسرائيل شنت حرباً متوحشة ضد أهالي قطاع غزة استمرت 22 يوماً، كادت تحول مبانيه إلى خراب وسكانه إلى أشلاء. وإذا كانت الحجة في هذه المرة صواريخ «حماس»، فماذا كانت الحجة الإسرائيلية في كل المجازر السابقة ضد الشعب الفلسطيني قبل أن تحكم «حماس» قطاع غزة؟ بل إن إسرائيل ردت على مبادرة السلام العربية المعلنة من قمة بيروت في سنة 2002، بإعادة احتلال المنطقة «أ» من الضفة الغربية، وحاصرت ياسر عرفات ومقر السلطة ذاته في رام الله. من جانب آخر فقد ارتكبت منظمة «فتح» وحركة «حماس» خطايا مريعة من البداية، ومن مداخل مختلفة، بما أدى إلى تراجع غير مسبوق في القضية الفلسطينية وشرخ حاد قسم الشعب الفلسطيني ذاته. سلطة رام الله صدقت أنها سلطة فعلا، فعاثت فساداً وقمعاً. وحركة «حماس» تهيأ لها أنها قادرة على الدخول إلى مفرمة اتفاق أوسلو وتوابعه، والاستمرار في الوقت نفسه في نهج المقاومة.
على المستوى الفلسطيني كانت القضية بالأساس هي تنفيذ قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1947. ثم تحولت إلى استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967. وبعد اتفاق أوسلو تحولت القضية إلى تقسيم التقسيم. والآن تنقسم السلطة نفسها إلى سلطتين لا تملك أي منهما حتى حرية الحركة من مدينة إلى أخرى. وبينما أصبحتا تكيدان لبعضهما بعضاً يستمر الاحتلال الإسرائيلي في ابتلاع الأرض، فسجل في العام الماضي بمفرده أعلى زيادة في معدل الاستيطان في الضفة الغربية.
وبينما تختصر السياسة الأميركية القضية إلى مجرد بعد أمني، ويقتصر الانشقاق العربي على من هو معتدل ومن هو ممانع، تكاد القضية الفلسطينية تتحول من الأسمنت الذي يلحم العالم العربي معا إلى الديناميت الذي يمزقه إربا. مع ذلك لم يتأخر الوقت على التصحيح إنما بشروط. في المقدمة منها حقيقة أن القضية الفلسطينية تستحق قيادات أفضل من تلك القائمة. والعالم العربي يستحق أولويات مختلفة في مقدمها أن إسرائيل تظل – أمس واليوم وغداً – هي العدو حتى إشعار آخر.
* كاتب مصري
"الحياة"




















